السبت، 18 أكتوبر 2014

كسر المعتاد مع إسعاد !

بعيداً عن برامج الأسرار وكشف المستور والصناديق السوداء، وبعيداً أيضاً عن برامج الفن التي تصنع من أي عابر سبيل بطلاً خارقاً، جاءت هي لتغرد خارج السرب وتطل علينا بضيوف فوق العادة..ليسوا بالضرورة نجوماً بالمعنى "المبتذل" للكلمة، لكنهم نجوم بشكل مختلف.
 هي أيضاً نجمة لامعة بحضورها وأناقتها والأهم معرفتها بأصول الضيافة.. مثقفة وفنانة تضيف من ذكرياتها لتثري الحوار أحياناً لكن أبداً ليس على حساب الضيف ولا من أجل الاستئثار بالضوء.
لا يمكن أن نقول أنه برنامجاً فنياً خالصاً، ولا هو برنامج اجتماعي، هو مزيج من كل شيئ ، والشيئ المؤكد أنه "مصري" للغاية.
الفنانة الكوميدية التي بدأت من الإذاعة، وانتقلت للفن ، أمتعتنا كممثلة في أعمال كوميدية بدون "فذلكة" ، وأمتعتنا ككاتبة جادة وساخرة في عدد من الصحف المصرية، وقبلها بسنوات على صفحات مجلة الشباب. كنت أنتظر كغيري المجلة كل أسبوع لأقرأ مقالها التي تستعرض فيه المجتمع وعجائبه بعيون ابنتها،  قبل أن تجمع مقالاتها في كتابها الساخر "مذكرات نورا المذعورة" !
وفي تحفتها غير المتكلفة  "بكيزة وزغلول"  أمتعتنا بحوار ممتع وشخصيات صادقة، وأداء كوميدي بسيط وتلقائي في عمل يظل – رغم السنوات – خارج المنافسة.
أختارت في سنوات لاحقة أن تطل على الأعمال الفنية من نافذة الإنتاج، بعيداً عن أداءها التمثيلي الذي افتقدناه للغاية. وأخيراً عوضت جمهورها بطلتها التلفزيونية المبهجة مستعينة بفريق إعداد فوق العادة أيضاً.. يظهر إبداعه وتجديده من خلال المضمون المقدم في البرنامج.. بل ويظهر معها على الطاولة  بعض أفراده أحياناً تناقشهم ويناقشونها أمام الكاميرات لا خلفها كما هو معتاد.
ونتيجة للمجهود الإبداعي المشترك للفنانة صاحبة الحضور الجميل مع فريق العمل المبدع، خرج البرنامج كقطعة فنية غير مزيفة بداية من التترات وحتى نهايته.
 أصبح البرنامج المفضل لقطاع كبير من الجمهور، فهو بمثابة واحة هادئة وسط صخب الحياة في مصر ووسط الضجيج المزعج في كافة مناحي الحياة.
في تناولها للفن تجعل " الموضوع " هو البطل الذي تسلط عليه الأضواء بعيداً عن اختزال القضية في شخص بعينه مهما كانت نجوميته.
 أمتعتنا بحلقة عن حي شبرا.. استضافت خلالها عدداً من النجوم، لكن يظل الموضوع هو البطل.. أمتعتنا بحلقات عديدة عن حياة الأرمن في مصر، وعن الغناء الشعبي، وعن الفرق الموسيقية المصرية التي لمعت ثم اختفت من الساحة، وعن صانعي الموسيقى التصويرية  وخبراء المفرقعات السينمائية ، وحتى نجوم المأكولات الشعبية !
وفي حلقة رائعة عن "الكومبارس" الذين نحبهم ولا نعرف أسمائهم، قدمت لنا نجوماً منسيين لكنهم لامعون للغاية، كنت أتمنى أن يطول العمر بالفنان "يوسف عيد" ليلتقي بها ، فبالتأكيد كان سيصبح لقاءهما متعة خالصة.
أما في الحلقات القليلة التي استضافت نجماً واحداً، مثل حلقة "حسن مصطفى" – والتي كانت من أجمل الحلقات بالمناسبة  -  فقد قدمت مشوار الفنان القدير من زاوية جديدة لم نرها من قبل،  ومع ذلك فقد كانت بمثابة رحلة ممتعة في كواليس المسرح المصري بشكل عام .. فيظل الموضوع هو البطل.. وهو الطرح المخالف لما اعتاد عليه الجمهور وما يفضله الإعلام المصري في العموم.
لفريق عمل "صاحبة السعادة "  شكراً لكم .. وأسعدتينا كالعادة يا أستاذة إسعاد !


الاثنين، 25 أغسطس 2014

صح النوم .. مونودراما الضحك والبكاء

"صح النوم" هو اسم عرض مسرحي قصير لفرقة اللعبة تم عرضه على هامش المهرجان القومي للمسرح في دورته السابعة، العرض عبارة عن 45 دقيقة من المونودراما أو الأداء المنفرد، ومنذ اللحظة الأولى للعرض يشعر المتفرج بإبداع الكاتبة الفنانة "منحة البطراوي" وما بذلته من جهد واضح لتهيئة النص لملائمة الثقافة المصرية . أبدعت "البطراوي" في عملية " تمصير" أحالت من خلالها نص "نوبة صحيان" للكاتب الأيطالي وصاحب نوبل "داريو فو" الى مفردات مصرية خالصة، ربما كانت صعبة في ترويدها بالنسبة للكاتبة، لكنها يسيرة على المتلقي، وبديعة في كل الأحوال.
أما المسرح فقد ضم ديكور معبر لكنه بسيط، أقرب ما يكون لمحاولات الأطفال في خلق عالمهم الخاص حين يعدون غرفهم للعبة التمثيل، هنا غرفة النوم وهنا المطبخ وهناك الحمام... كل ذلك في أمتار معدودة وحميمية للغاية، دعمها في توصيل المعنى إضاءة تخدم المضمون المسرحي لمصمم الإضاءة  "صابر السيد ".
البساطة في الوسط المادي الظاهر على خشبة المسرح، والخلفيات الموسيقية التي تصيب الهدف مباشرة لـ " شريف الوسيمي"،  يقابلها أداء تمثيلي سهل ممتنع من الممثلة والمخرجة  الشابة "دعاء حمزة" التي عزفت منفردة لمدة تقل عن الساعة أسعدتنا خلالها وأشقتنا في تكثيف بديع لحياة امرأة مصرية فقيرة.. في لحظة وليس أكثر نراها طفلة بريئة واسعة الابتسامة تحمل لعبا وتستمع لأغاني الأطفال التراثية.. وفي لحظة تالية زفافها السعيد الحزين، إلى أن نراها في هيئتها وهويتها الأخيرة   "أم إمام" التي لا نعرف اسمها قبل مولد إمام !
ككل الأمهات المصريات الفقيرات.. امرأة "شقيانة" . مجنونة قاسية وحنونة  وسعيدة وحزينة!
يصدق فيها قول الشاعر صلاح جاهين "مجبر عليك يا صبح مغصوب يا ليل" ،  فمنذ استيقاظها الاجباري وكل ماتفعله هو اجباري.. من اعدادها لمنزلها وتلبية احتياجات طفلها، حتى غسيلها لوجهها التي لا تستطيع ان تكمله، استعدادها للخروج بمظهر لا ترضى عنه لكنه ربما يرضي المجتمع، بحثها عن أغراضها التي لا تعلم في أي مكان وضعتها في اليوم السابق من كثرة ما تحمله من أعباء و"أكياس"، تطاولها على زوجها ثم خوفها من ان تؤدي صراحتها معه الى الوصول للطلاق، ورغبتها في التخلص من أيام الأسبوع والابقاء على يوم العطلة فقط في محاولة لاقتناص ساعات من الراحة لنفسها المكدودة..
أخذتنا "حمزة" في تنوعات بديعة بأدائها الجسدي والصوتي المتميز، تحولت خلالها في لحظات بين المرأة الشقيانة، والزوجة الساخطة، والأنثى الوديعة، والأم الغاضبة الراضية، والعاملة في مصنع وسط ماكينات تقطع أصابعها في كوابيسها الليلية..
في دقائق خاطفة تقتنص من المتفرجين ابتسامات ودموع وتغمرهم بمفاجآت ساخنة وباردة متتالية غير منقطعة، لا تكاد تفلت لحظة واحده من انتباه المشاهدين سوى في اللحظة الأخيرة للعرض التي تحاول فيها الاستسلام لبعض الهدوء وإعادة رضيعها الى النوم مجدداً بعد نوبة صحيان مزعجة وتعيسة أصابتهما.

الأربعاء، 26 مارس 2014

وعد غير مكتوب

نجوى حلمي ... نجمة السينما الأولى في التسعينيات...  ممشوقة القوام... جميلة لكن شيئ ما غامض أصبح يعتري جمالها.. يبدو أن موضة هذا النوع من الجمال انتهت...ربما.
 آخر فيلم قدمته  منذ عشرة أعوام.. وأين المشكلة.. على الأقل ما زالت تتمتع بالذوق الرفيع في انتقاء الملابس...والكلمات..
تظهر أحيانا على صفحات  بعض المجلات.. كما أن ثقافتها تؤهلها بامتياز لتصبح عضوة  في الكثير من المهرجانات الفنية.. كل شيئ على مايرام.. ماذا يريد الفنان العظيم أكثر من ذلك؟!
 لكنها ليست تحت الأضواء ... الأضواء الحقيقية ..المبهرة.. وليست الخافتة.
تتذكر المخرج رأفت صادق، تعرفه منذ كان مساعدا صغيرا "جدا"  لمخرج  أعمالها  "الراحل"..   

ورأفت أسمه الآن.. في السماء.. يسير بسرعة برق ولمعان نجم.. تراه في برامج وصحف لا حصر لها.. هل أصبح المخرجون نجوما في هذا الزمان؟؟
  لم لا.. وهو بمثابة تلميذ في مدرستها .. طبيعي أن يصبح لامعا الآن .. لمعانه يعيد لها نشاطها .. تبحث في أوراقها القديمة عن رقمه... تدعو الله أن يكون الرقم صحيحا، ويستجيب الله للدعاء..
 تكلمه.. تهنئه على نجاحاته ... يبلغها أن فيلمه الأخير مشترك بالمهرجان الأعظم للسينما العربية ..في "الدولة الشقيقة الفلانية" .
تطير نجوى من السعادة، ياللمصادفة المكتوبة.. هي عضوة لجنة التحكيم بهذا المهرجان.. ستراه هناك.. ربما كل ذلك مكتوب.. بالتأكيد هو كذلك..
يكلمها عن مشروعاته الكثيرة القادمة وحلمه في التعاون معها.. يحمر وجهها من خلف ستار الهاتف لكن.. ترد بهدوء بارد.. بثقتها المعهودة غير المبالية.. مثلما تتحدث نجمة مع مساعد مخرج – فقط -  لتشجعه.
تغلق الهاتف وتضحك.. وتضحك لها الدنيا، تسحب مبلغا كبيرا من المال من حسابها لشراء ملابس جديدة.. ليت الوقت والمال كانا يتسعان للسفر إلى باريس من أجل التسوق.. لكن ملحوقة..
 تصبح ملامحها أكثر استرخاءا عن ذي قبل.. لا مانع أن تكون عودتها مع مخرج صغير.. مثل رأفت.
 تزيل كل الأفكار السلبية التي تراودها بأن مخرج فيلمها القادم، رغم تحقيقه لعدة نجاحات في العام الأخير،
  إلا أنه لايزال لا يليق بمقامها ..
في المهرجان .. هي الخبيرة.. فيلم رأفت جيد ... تنظر له بإعجاب طوال  المهرجان.. فعلا يستحق أن يكون تلميذ الأستاذ الكبير.. رحمه الله ... الأهم أنه يستحق أن يكون مخرج فيلمها الجديد..
 لكنها مازالت خائفة من خطوة قدميها .. هل يريد أن يستغل أسمها الكبير لتلميع أسمه؟.. هل تقبل بطولة فيلمه القادم؟ وماذا لو لم تكن بطولة؟ لا تتحمل صدمات جديدة.. لكن ولم لا، كل نجوم العالم الكبار يمثلون أدوارا صغيرة جدا في بعض الأفلام... ستقبل الدور لأنها تثق في رأفت... وبذكاءها ستجعله دورا لا ينسى..
تصحو من غفلتها.. تصوّت نجوى لرأفت.. هي وعضوان آخران من دول شقيقة أخرى..  ويصوت العضوان الأجنبيان لفيلم آخر..
تحسم نجوى النتيجة لصالح فيلم رأفت .. هي سعيدة للغاية... الآن فقط يصبح هو"مخرج كبير" يستحق العمل مع نجوى حلمي ...
 تلتقي به على العشاء ... يتحدثا كثيرا عن فيلمه الجديد ... يثني على موهبتها وتاريخها.. ويتمنى أن يكون الأداء في الفيلم الجديد أشبه بأداءها في فيلمها القديم الأشهر.. تعده بذلك بنظرة من عينيها..
 يأتي النجوم للتهنئة ..تهنئه النجمة الشابة بحرارة، ينظر لنجوى ويبلغها أن النجمة الصاعدة.. بطلة فيلمه الفائز..معهم أيضا في فيلمه الجديد... تجاملها نجوى، رغم عدم إعجابها بتمثيلها .. المتكلف...
 ينظر للنجمة الواعدة ممازحا " عاوزك تعصري الأستاذة ومفيش مانع تقلديها كمان".. يبتسم ...
ينتقل نظره لنجوى "يشرفني أنك تحضري معانا أول يوم في اللوكيشين .. وياريت كل الأيام ..هتنورينا " ..
تضيع الابتسامة في وجه نجوى .. تسترجع ماحدث في اليومين الأخيرين مثل التائهة.. يقاطع رأفت أفكارها   "على فكرة لازم أشكرك.. متأكد أن صوتك كان لصالحي .. مش ممكن يكون فيه فيلم مصري وماتديلوش صوتك ..حضرتك مشهورة بتعصبك لبلدك"..
تحملق في وجهه بابتسامة مُرهقة كالبكاء : "  أنا ضميري المهني مايسمحليش بالمجاملة حتى ولو علشان أرفع أسم مصر"..  تشيح بوجهها عنه.. " فيلمك كان أحسن فيلم السنة دي"..




الاثنين، 3 مارس 2014

السلالم


تدخل مها إلى المبنى الحكومي العتيق ، ما أن تخطو داخله حتى تشعر بالإعياء يحيط بها من كل جانب، الأعياء الذي بداخلها يتناسق مع الألوان الكالحة التي تخيم على المكان..والإعياء البادي على السلالم التي تخطو فوقها وتشعر بها تهتز تحت قدميها وهي تريد الإسراع وتشفق على درجات السلم من خطواتها.. ألوان الموظفين واحدة .. تشعر أن وجهوهم وملابسهم بنفس لون الحائط ورطوبته ..ربما بلا لون. إحساس ثقيل يخيم على الوجوه والمكان.
تجتاز البوابة الثانية للمبنى وتبحث عن بطاقة اثبات الشخصية في حقيبتها المكتظة  لتظهرها لرجل الأمن تنظر له بنفاذ صبر قائلة( مها حسني .. في الحسابات..الدور السابع وبقالي هنا اربع سنين مش محتاجة يعني اطلع كارنيه) تجدها اخيرا وتزفر في ضيق ويتبعها رجل الامن هامسا باللعنات
 ..نبضات قلبها تتسارع، يزداد توترها ، ما كل هذه الإجراءات..الحوار الداخلي يستمر.. هل تعمل بمكان مهم لهذه الدرجة؟ تبتسم في سخرية مريرة.. هل حقا أضاعت من عمرها كل هذه السنوات هنا؟
تصطدم عيناها بساعة الحائط فوق المصعد البعيد .. تمام العاشرة صباحاً.. تحبط بشدة وتكاد تبكي لرؤيتها، لكنها معتادة على ذلك كل يوم، فلماذا المفاجأة؟
تهرول حتى تلحق بمصعد الادوار الفردية وعيناها على الساعة ..طابور طويل لا يقل عن 12 موظف امامها.. والمصعد لا يأتي وصيحات الحنق تتصاعد من الطابور..
تشعر بالارتياح رغم كل شيئ ..دقيقتان وتصل للمكتب، سيمر الأمر بلا مشاكل ..تتنهد..تحاول تهدئة نفسها..يتأخر المصعد. تلمح مدام فاطمة مديرتها أمامها في الطابور يفصلهما خمسة موظفين ..ينبض قلبها بالخوف من جديد وتنكمش لتختفي داخل المعطف.. تتلفت حولها  ، تنظر لحذائها العالي، تنظر لمدام فاطمة بطرف عينها، تشعر بالكراهية والخوف تجاه كل شيئ ..  تنظر للمصعد مازال متأخرا.. تتخذ قرارها وتنطلق كالسهم نحو السلم وتخلع حذائها عند أول درجاته.. تجري ودقات قلبها تتزايد.
تصل للمكتب بعد دقائق كاد قلبها يتوقف فيها..تجلس بعد ان تلقي تحية غير مفهومة لزميلها وتنظر للاوراق.
بعد دقيقة تدخل فاطمة وتقول " اسفه على التأخير يا جماعة.. المبنى النهارده فظيع.. والا الشوارع.. لعنة..انتوا وصلتوا بدري ازاي ؟"
يبتسم الزميل في زهو.. وينظر لمها باستخفاف
مها تحاول ان تستجمع نفسها..... تنظر لفاطمة بابتسامة تتأرجح بين الشجاعة والاستعطاف :
" انا لسه داخلة من دقيقة يا مدام"