الأربعاء، 26 مارس 2014

وعد غير مكتوب

نجوى حلمي ... نجمة السينما الأولى في التسعينيات...  ممشوقة القوام... جميلة لكن شيئ ما غامض أصبح يعتري جمالها.. يبدو أن موضة هذا النوع من الجمال انتهت...ربما.
 آخر فيلم قدمته  منذ عشرة أعوام.. وأين المشكلة.. على الأقل ما زالت تتمتع بالذوق الرفيع في انتقاء الملابس...والكلمات..
تظهر أحيانا على صفحات  بعض المجلات.. كما أن ثقافتها تؤهلها بامتياز لتصبح عضوة  في الكثير من المهرجانات الفنية.. كل شيئ على مايرام.. ماذا يريد الفنان العظيم أكثر من ذلك؟!
 لكنها ليست تحت الأضواء ... الأضواء الحقيقية ..المبهرة.. وليست الخافتة.
تتذكر المخرج رأفت صادق، تعرفه منذ كان مساعدا صغيرا "جدا"  لمخرج  أعمالها  "الراحل"..   

ورأفت أسمه الآن.. في السماء.. يسير بسرعة برق ولمعان نجم.. تراه في برامج وصحف لا حصر لها.. هل أصبح المخرجون نجوما في هذا الزمان؟؟
  لم لا.. وهو بمثابة تلميذ في مدرستها .. طبيعي أن يصبح لامعا الآن .. لمعانه يعيد لها نشاطها .. تبحث في أوراقها القديمة عن رقمه... تدعو الله أن يكون الرقم صحيحا، ويستجيب الله للدعاء..
 تكلمه.. تهنئه على نجاحاته ... يبلغها أن فيلمه الأخير مشترك بالمهرجان الأعظم للسينما العربية ..في "الدولة الشقيقة الفلانية" .
تطير نجوى من السعادة، ياللمصادفة المكتوبة.. هي عضوة لجنة التحكيم بهذا المهرجان.. ستراه هناك.. ربما كل ذلك مكتوب.. بالتأكيد هو كذلك..
يكلمها عن مشروعاته الكثيرة القادمة وحلمه في التعاون معها.. يحمر وجهها من خلف ستار الهاتف لكن.. ترد بهدوء بارد.. بثقتها المعهودة غير المبالية.. مثلما تتحدث نجمة مع مساعد مخرج – فقط -  لتشجعه.
تغلق الهاتف وتضحك.. وتضحك لها الدنيا، تسحب مبلغا كبيرا من المال من حسابها لشراء ملابس جديدة.. ليت الوقت والمال كانا يتسعان للسفر إلى باريس من أجل التسوق.. لكن ملحوقة..
 تصبح ملامحها أكثر استرخاءا عن ذي قبل.. لا مانع أن تكون عودتها مع مخرج صغير.. مثل رأفت.
 تزيل كل الأفكار السلبية التي تراودها بأن مخرج فيلمها القادم، رغم تحقيقه لعدة نجاحات في العام الأخير،
  إلا أنه لايزال لا يليق بمقامها ..
في المهرجان .. هي الخبيرة.. فيلم رأفت جيد ... تنظر له بإعجاب طوال  المهرجان.. فعلا يستحق أن يكون تلميذ الأستاذ الكبير.. رحمه الله ... الأهم أنه يستحق أن يكون مخرج فيلمها الجديد..
 لكنها مازالت خائفة من خطوة قدميها .. هل يريد أن يستغل أسمها الكبير لتلميع أسمه؟.. هل تقبل بطولة فيلمه القادم؟ وماذا لو لم تكن بطولة؟ لا تتحمل صدمات جديدة.. لكن ولم لا، كل نجوم العالم الكبار يمثلون أدوارا صغيرة جدا في بعض الأفلام... ستقبل الدور لأنها تثق في رأفت... وبذكاءها ستجعله دورا لا ينسى..
تصحو من غفلتها.. تصوّت نجوى لرأفت.. هي وعضوان آخران من دول شقيقة أخرى..  ويصوت العضوان الأجنبيان لفيلم آخر..
تحسم نجوى النتيجة لصالح فيلم رأفت .. هي سعيدة للغاية... الآن فقط يصبح هو"مخرج كبير" يستحق العمل مع نجوى حلمي ...
 تلتقي به على العشاء ... يتحدثا كثيرا عن فيلمه الجديد ... يثني على موهبتها وتاريخها.. ويتمنى أن يكون الأداء في الفيلم الجديد أشبه بأداءها في فيلمها القديم الأشهر.. تعده بذلك بنظرة من عينيها..
 يأتي النجوم للتهنئة ..تهنئه النجمة الشابة بحرارة، ينظر لنجوى ويبلغها أن النجمة الصاعدة.. بطلة فيلمه الفائز..معهم أيضا في فيلمه الجديد... تجاملها نجوى، رغم عدم إعجابها بتمثيلها .. المتكلف...
 ينظر للنجمة الواعدة ممازحا " عاوزك تعصري الأستاذة ومفيش مانع تقلديها كمان".. يبتسم ...
ينتقل نظره لنجوى "يشرفني أنك تحضري معانا أول يوم في اللوكيشين .. وياريت كل الأيام ..هتنورينا " ..
تضيع الابتسامة في وجه نجوى .. تسترجع ماحدث في اليومين الأخيرين مثل التائهة.. يقاطع رأفت أفكارها   "على فكرة لازم أشكرك.. متأكد أن صوتك كان لصالحي .. مش ممكن يكون فيه فيلم مصري وماتديلوش صوتك ..حضرتك مشهورة بتعصبك لبلدك"..
تحملق في وجهه بابتسامة مُرهقة كالبكاء : "  أنا ضميري المهني مايسمحليش بالمجاملة حتى ولو علشان أرفع أسم مصر"..  تشيح بوجهها عنه.. " فيلمك كان أحسن فيلم السنة دي"..




الاثنين، 3 مارس 2014

السلالم


تدخل مها إلى المبنى الحكومي العتيق ، ما أن تخطو داخله حتى تشعر بالإعياء يحيط بها من كل جانب، الأعياء الذي بداخلها يتناسق مع الألوان الكالحة التي تخيم على المكان..والإعياء البادي على السلالم التي تخطو فوقها وتشعر بها تهتز تحت قدميها وهي تريد الإسراع وتشفق على درجات السلم من خطواتها.. ألوان الموظفين واحدة .. تشعر أن وجهوهم وملابسهم بنفس لون الحائط ورطوبته ..ربما بلا لون. إحساس ثقيل يخيم على الوجوه والمكان.
تجتاز البوابة الثانية للمبنى وتبحث عن بطاقة اثبات الشخصية في حقيبتها المكتظة  لتظهرها لرجل الأمن تنظر له بنفاذ صبر قائلة( مها حسني .. في الحسابات..الدور السابع وبقالي هنا اربع سنين مش محتاجة يعني اطلع كارنيه) تجدها اخيرا وتزفر في ضيق ويتبعها رجل الامن هامسا باللعنات
 ..نبضات قلبها تتسارع، يزداد توترها ، ما كل هذه الإجراءات..الحوار الداخلي يستمر.. هل تعمل بمكان مهم لهذه الدرجة؟ تبتسم في سخرية مريرة.. هل حقا أضاعت من عمرها كل هذه السنوات هنا؟
تصطدم عيناها بساعة الحائط فوق المصعد البعيد .. تمام العاشرة صباحاً.. تحبط بشدة وتكاد تبكي لرؤيتها، لكنها معتادة على ذلك كل يوم، فلماذا المفاجأة؟
تهرول حتى تلحق بمصعد الادوار الفردية وعيناها على الساعة ..طابور طويل لا يقل عن 12 موظف امامها.. والمصعد لا يأتي وصيحات الحنق تتصاعد من الطابور..
تشعر بالارتياح رغم كل شيئ ..دقيقتان وتصل للمكتب، سيمر الأمر بلا مشاكل ..تتنهد..تحاول تهدئة نفسها..يتأخر المصعد. تلمح مدام فاطمة مديرتها أمامها في الطابور يفصلهما خمسة موظفين ..ينبض قلبها بالخوف من جديد وتنكمش لتختفي داخل المعطف.. تتلفت حولها  ، تنظر لحذائها العالي، تنظر لمدام فاطمة بطرف عينها، تشعر بالكراهية والخوف تجاه كل شيئ ..  تنظر للمصعد مازال متأخرا.. تتخذ قرارها وتنطلق كالسهم نحو السلم وتخلع حذائها عند أول درجاته.. تجري ودقات قلبها تتزايد.
تصل للمكتب بعد دقائق كاد قلبها يتوقف فيها..تجلس بعد ان تلقي تحية غير مفهومة لزميلها وتنظر للاوراق.
بعد دقيقة تدخل فاطمة وتقول " اسفه على التأخير يا جماعة.. المبنى النهارده فظيع.. والا الشوارع.. لعنة..انتوا وصلتوا بدري ازاي ؟"
يبتسم الزميل في زهو.. وينظر لمها باستخفاف
مها تحاول ان تستجمع نفسها..... تنظر لفاطمة بابتسامة تتأرجح بين الشجاعة والاستعطاف :
" انا لسه داخلة من دقيقة يا مدام"