الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

سينما براديزو : عندما تُعشق السينما !




منذ شهور قليلة احتفل المخرج والمؤلف الإيطالي Giuseppe Tornatore بعيد ميلاده الـ 60، وربما لا نعرف الكثير عن هذا المخرج ولا عن السينما الإيطالية عموماً.. فقد نشأنا والفيلم الأجنبي يعني لدينا الفيلم الأمريكي..لكن الصدفة قادتني لمشاهدة هذه التحفة الرائعة الذي قدمها المخرج عام 1988 وحصل على جائزة الأوسكار في العام التالي عن نفس الفيلم .. "سينما براديزو" .
الفيلم يبدو كأنه هدية من المخرج للسينما.. هذه الشاشة الساحرة.. ربما استلهم فيه قصته هو ورحلته في حب السينما.. أو ربما مزج الواقع بالخيال ولكنه قدم لنا في النهاية فيلماً لا ينسى.
ورغم طول مدة عرض الفيلم إلا إنه لا يشعرك أبداً بالملل ربما بسبب حالة "النوستالجيا" الصادقة والمشاعر الفياضة التي تشع منه، فضلاً عن الموسيقى الخلابة.
يبدأ الفيلم برجل ثري "نعرف أنه مخرج سينمائي مشهور" تبلغه صديقته أن والدته، والتي لم يرها منذ سنوات طويلة قد اتصلت لتخبره بوفاة شخص ما يدعى"ألفريدو".. معرفة البطل بموت "ألفريدو" هذا يلقي بحجر في مياهه الراكدة ليسرح في ذكرياته منذ كان طفلاً صغيراً "يطلقون عليه توتو" في إحدى القرى الإيطالية الصغيرة ..
نعرف من خلال الرحلة علاقته بـ"ألفريدو" الذي يعمل في سينما البلدة الصغيرة،  والذي شكل عالم ومستقبل "توتو".


بطل الفيلم أو الطفل الصغير "توتو" كما يطلقون عليه يعيش مع والدته الشابة وأخته الرضيعة في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية، بعد غياب والده الذي ذهب للحرب، يجد الطفل سلواه وتسليته في عالم الخيال من خلال سينما الحي الذي يقطن به والتي تنسيه واقعه، حيث يقوم رجل الدين المسيحي بمشاهدة الأفلام لممارسة دور الرقيب وقص كل مشاهد الغرام قبل اتاحتها للجماهير المتعطشة للهروب من واقعها المرير..

يفاجئ رواد السينما كل ليلة أن القبلة التي ينتظرونها قد حُذفت فيمتعضون ويصرخون محتجين بينما تعلو ضحكات توتو الذي يعرف كل شيئ بمكوثه مع ألفريدو في الغرفة الخلفية الضيقة، حيث الآلة اليدوية التي يتم بها تشغيل الشريط السينمائي، وحيث يتعلم توتو منذ نعومة أظافره حب السينما والكثير من الأسرار عنها..
وفي السينما الصغيرة يحدث كل شيء.. تنشأ علاقات الحب، وتحدث الجريمة، ويلتقي الأصدقاء..ويهرب الجميع من واقعهم الأليم.
أما العامل الذي يدير الشريط السينمائي في السينما "ألفريدو" الذي لم ينجب أطفالاً، فقد اتخذ "توتو" كصديق له، يرافقه دائماً، يصالحه ويخاصمه ويثور عليه ثم ينقذه من عقاب والدته.. والمهم أنه لايبخل عليه بالنصائح التي يسمعها ويحفظها عن ظهر قلب من الأفلام التي يعرضها كل يوم من الغرفة الضيقة التي لا يغادرها..فمعظم مقولات ألفريدو هي مقولات أبطال الأفلام الذين يشكلون عالمه الضيق. 


يحلم توتو أن يعمل كعامل تشغيل في السينما، لكن ألفريدو يحاول أن يثنيه بحكمته عن الالتحاق بهذه المهنة الشاقة ويحاول أن يزيد طموحه ليصبح شيئاً أهم.. يكبر توتو ويعيش قصة حب، ثم يقرر أن يترك بلدته الصغيرة متوجهاً إلى روما، وينصحه ألفريدو قبل المغادرة أنه عليه إذا أراد أن يصل للنجاح ألا يرجع لبلدته ولا ينظر للوراء كي لا تعوقه الذكريات عن تحقيق أحلامه.. حيث يخبره ألفريدو للمرة الأولى حكمة من وحي أفكاره هو وليس من مقولات أبطال الشاشة الفضية .. "الحياة أصعب بكثير مما تبدو عليه في الأفلام"..


الفيلم يأخذ الطابع الكلاسيكي، حيث ينتهي "الفلاش باك" الطويل عن طفولة توتو، والذي استغرق معظم الفيلم، ليرجع البطل إلى بلدته أكثر قوة ويلتقي بأهالي البلدة الذي اعتاد أن يراهم في السينما وقد بدت عليهم الشيخوخة..
وكما يستعرض الفيلم رحلة توتو في الحياة، فإنه يستعرض تطور السينما ذاتها، من وقت أن كانت تحت سيطرة الرقابة الأخلاقية للمجتمع، مروراً بالمرحلة الرأسمالية عندما يشتري أحد الأثرياء الجدد دار السينما ليجددها وتصبح الإيرادات هي الأهم وبالتالي فمرحباً بالمشاهد المثيرة، وانتهاءاً بظهور التلفزيون الذي احتل مكان السينما في الترفيه عن البشر، وبالتالي فقد تقرر في نهاية الفيلم هدم "دار سينما براديزو" التي لم تعد تجلب الإيرادات في مشهد مؤثر جمع البطل بسكان بلدته، ليشهد مع الجميع لحظة هدم المكان التي عاصر طفولته وخلق شغفه بالشاشة الساحرة.. ليكتمل بذلك الشكل التقليدي للسرد السينمائي كما قدمه لنا المخرج في هذا العمل البديع على مدار ساعتين هما مدة عرض الفيلم.
سينما براديزو..هو فيلم عن الحرب والحب والصداقة والمعاناة الإنسانية، تم تغليفه بغلاف رقيق هو الاحتفاء بالسينما، تلك الساحرة التي تمثل مرآة للبهجة وللمعاناة الإنسانية معاً على حد سواء.

                       ......................................................................

الأحد، 15 مايو 2016

عن "انتصار" وأشياء أخرى !



1)
قامت الدنيا ولم تقعد بسبب برنامج المنوعات الذي تقدمه "انتصار"، الفنانة العفوية دائماً والتي يبدو أنها لا تخجل من التصريح بآرائها مهما كلفها الأمر. وانتصار لمن لا يعرفها، أو يراها فقط  كامرأة متحررة تحب التهريج و"مابتتكسفش" تعمل أدوار إغراء.. هي في الحقيقة فنانة لاتدعي العمق لكن كل دور من أدوارها كفيل بأن يعلم الآخرين المعنى الحقيقي للممثلة، أداة طيعة التشكيل، تصدقها في الكوميديا وفي التراجيدية وتصدقها في دور المرأة المنكسرة واللعوب والأم العجوز. درة التاج بالنسبة لانتصار من وجهة نظري "فوزية " أو والدة نيللي كريم في مسلسل "ذات"، هذا لا يمنع تألقها في أدوار عديدة لا أنسى لها أبداً دورها في فيلم واحد صفر، ولا دورها الخفيف اللطيف في فيلم أنا بضيع يا وديع أو مسلسل الرجل العناب.. لا توقفها حدود، يحركها فقط حب التمثيل.. تتنقل بين كل الأدوار والأنواع السينمائية برشاقة السهل الممتنع.. لماذا أضع كل هذه المقدمة عن انتصار؟؟                  لأنه من المفترض لكل صاحب عقل أن يعلم أن لكل مقام مقال.. هي فنانة أو ممثلة، بالتالي من المفترض أن ننظر اليها في هذا الإطار إن أردنا تقييمها أو محاسبتها، فليكن الحساب على إتقانها لهذه الوظيفة من عدمه.. لكننا نعشق خلط الأوراق لدرجة تصبح معها كل أمورنا عشوائية للغاية.
بدأت انتصار منذ فترة قصيرة في تقديم برنامجها الذي ينتمي للنوع الاجتماعي الخفيف الذي يثير الجدل بطريقة لطيفة وغير فجة، وحدث وأن ناقشت إحدى الحلقات قضية المواقع الإباحية ورأي الشباب في إغلاقها، وهو الموضوع الذي قتل بحثاً في برامج عديدة من قبل بدون أن يعترض أحد، لكن عندما تناقشه هنا مجموعة من السيدات بشكل يتسم ببعض التباسط يصبح أمراً " مايتسكتس عليه". وبالرغم من تلقائية الفنانات الثلاث في تقديم الفقرات، إلا أنه كان من الواضح جداً أن الحوار بينهن معد سلفاَ بواسطة فريق الإعداد، فواحدة منهن استنكرت الأمرمن الجانبين الأخلاقي والديني، بينما الثانية علقت عليه بشكل علمي لافتة النظر لأضرار هذه المواقع، أما "انتصار" فقد علقت أنها لا تمانع من وجود مثل هذه المواقع التي تتابعها أحياناً، وسواء قالتها كدعابة أو رأي حقيقي عبرت عنه ببساطة وصراحة، أو كان "سكريبت" مكتوب للحلقة، هل يستحق الأمر وصفها فوراً بالعاهرة التي لم تجد رجلاً "يلمها" ؟!
 وماذا عن الشباب اللي زي الورد الذين ظهروا في التقرير المصور والذين أكدوا ضاحكين أنهم يتابعون هذه المواقع.. مش عيب؟ ولا عيب على انتصار فقط؟      هو عيب، لكن دول شباب برضه مش مشكلة، إنما "معندناش ستات تتكلم كده" وعلى رأي السيد المسئول الذي وقف ليهدد الأهالي بوقف الصرف الصحي عنهم بينما تقاطعه سيدة من المتضررات فيعاجلها بقوله الناجع ليخرسها فوراً.. "عندنا في الريف الستات عيب تتكلم".
2)
منذ عدة شهور تحولت شخصية "أبلة فاهيتا" العروسة الظريفة المثيرة للجدل إلى مقدمة لبرنامج تلفزيوني أسبوعي لطيف على غرار برنامج "باسم يوسف" الشهير. كانت "الأبلة" قد عودت متابعيها علي الفيسبوك على حوارتها البرجوازية و"اللت والعجن" عن مشكلاتها كربة منزل من الطراز العتيق وعن كونها أرملة وحيدة، لكن لإضافة البهارات وربما بعض المعاني المقصودة تم إضفاء بعض الإيحاءات التي صورت شخصية "فاهيتا" كامرأة جريئة في منتصف العمر لكنها لا تزال مثيرة للضحك، وتزامن ذلك مع جعل البرنامج "للكبار فقط" وهو أمر مقبول جداً في هذه النوعية من البرامج. كان من أوائل التغطيات الصحفية لظهور هذا البرنامج عنوان عريض يعلن عن تحول الأبلة من ربة منزل لعاهرة !
طيب ماهو باسم يوسف كان بيقدم إيحاءات ربما بشكل أكثر جرأة، لكن معندناش ستات تبقى جريئة كده.. دي كمان بتلمح عن رغبتها في الرجالة.. عاهرة على حق! حتى لو كانت "عروسة لعبة" يا سيد.. برضه "عيب الستات تتكلم كده".
3)
هو الستات هيتجوزوا كام واحد في الجنة؟!
كان هذا هو موضوع الحوار العلمي المعقد والممتد الذي شغل مواقع التواصل الاجتماعي، دار الحوار بين عدة أطراف منشغلين بهذه القضية المصيرية، ونحمد الله أنه لم يتطور لحد التلاسن بالسب والقذف، ولولا أنني توقفت عن متابعته بسبب شعوري باليأس لكنت بالتأكيد رأيت الجدال ينتهي بوصف المشاركات فيه بالعاهرات...وهو بالمناسبة قد حدث تقريباً.
 بدأت المناقشة بسؤال نشرته سيدة على صفحتها الشخصية، وبدأ الكل يدلو بدلوه، قال أحد الرجال أن الله قد خصص الحور عين للرجال جزاءا لهم في الآخرة بينما النساء سيتزوجن بأزواجهن في الدنيا، ردت عليه إحداهن بأن الزوجة ربما كرهت زوجها الدنيوي وصبرت عليه من أجل الأولاد أو غيره فكيف تدخل الجنة لتراه واقفاً أمامها في سرور، بالتأكيد سيكون ذلك نوعا من التعذيب وليس الجزاء الحسن، يرد ثالث بأن الله قادر أنه يبدل قلبها ويزيل عنه أي كراهية لهذا الرجل كي تهنأ لهما الحياة! ترد ثالثة بأن من حق المرأة أن تتمتع بالتعدد في الحياة الآخرة، فينهرها أحدهم بأنه كلام لا يليق "بامرأة محترمة" كما أنه سيتسبب في اختلاط الأنساب! تذكره السائلة أن قضية الأنساب غير مطروحة في الجنة !! مع كل هذا العبث والكلام بالنيابة عن الله تعالى تقوم إحدى الفتيات بوضع فيديو لأحد الشيوخ يؤكد فيه أن الحور عين للرجال والنساء أيضاً لأن القرآن عندما يخاطب بصيغة المذكر فإنه يقصد توجيه الحديث للمؤمنين رجالاً و نساءاً. لا يستطع أحد المشاركين في الجدال أن يمنع أعصابه من الأنفلات، "لأ ستات إيه اللي تتجوز بعدد كبير في الجنة، ماتفقناش على كده ومعندناش ستات تعمل كده" ! المهم ليكتمل الموقف العبثي يتدخل شاب "خلوق ملتزم" ليهدأ النساء بسماجة معلنا بثقة أنهن لن يحتجن للزواج بغير أزواجهن أصلاً في الجنة لأنهن لن يفكرن بهذه الطريقة وقتها، كما أنهن لن يشعرن بالغيرة أصلاً من كون أزواجهن مع الحور عين والسبب بسيط أن حسابات الجنة مختلفة والله سينزع ما في قلوبهن من غيرة!!
طب يا سيدي الله سينزع الغيرة من قلوب النساء ولن ينزعها من قلوب الرجال على نسائهن؟ والا انتوا مسيطرين على الحريم دنيا وآخرة؟!
شيء طبيعي إذا كان كل الخطاب الاجتماعي والديني يصور لكم أنكم أسياد العالم الذي خلق لكم فقط، أما الجنس الآخر فهو كمالة عدد، أو تم تصنيعه لخدمتكم على أقل تقدير. شيء طبيعي أن تصل عقولكم لهذا التعالي، إن ظلت برؤوسكم عقول من الأساس.
4)
عاد أحد الأصدقاء من دولة أوروبية شقيقة فسألته إحدى الصديقات عن جمال "المواطنين" في هذا البلد وهل هو صحيح "نسبته عالية زي ما بيقولوا؟!"
بدأ صديقي في تفصيل إجابته، فالنساء هناك جميلات، شعورهن ناعمة وبشرتهن جميلة وأجسامهن لا نحيفة ولا ممتلئة، جميلات فعلاً. تابعت صديقتي نقاشها معه وسألته ببساطة ونية حسنة.. "طب والرجالة حلوين برضه هناك؟ "..نظر لها بدهشة غير مصطنعة مردداً بتلقائية وصدق  "أصل الرجالة مش مطلوب يكونوا حلوين؟ هيكونوا حلوين إزاي؟ لمين يعني؟ ".
5)
- بصي الواد السوري اللي في المحل ده البنات مابيبطلوش يدخلوا المحل اللي شغال فيه، أصل لسانه حلو معاهم، لأ وشكله كمان..
- أما بنات قلالات الأدب وسفلة صحيح...
6)
- بصي البنت الرقيقة اللي شغالة في المحل دي؟ ده رجالة الشارع بيتلككوا عشان يدخلو يبصوا عليها..
- أما بت قليلة الأدب وسافلة صحيح...
End of text !
  .........................................................................................



الخميس، 25 يونيو 2015

يا شماتة أبلة ظاظا فيّا !

يا شماتة أبلة ظاظا فيّا..


حققت "مظاهرة خلع الحجاب" المزعومة من وجهة نظري نجاحاً منقطع النظير.. ربما لم تحقق هدف "الشوباشي" شخصياً.. لكنها حققت هدف أهالي المحروسة "المحروسين" والباحثين دوماً عن فرصة ولو بحجم خرم الأبرة لـ"فش غلهم"  الملتهب بطبيعته..
رأى الصحفي "شريف الشوباشي" أن نساء مصر مقهورات وبالتالي فإن دعوته ستكون أشبه بما فعله قاسم أمين أو هدى شعراوي في زمانهم.. انقسمت الآراء  فوراً بين مهلل وشاتم.. وللحق فأن لكل رأي وجاهته التي لا يمكن إنكارها..
من حيث مقهورات فهن فعلاً مقهورات وزيادة.. هذه الفرضية نضعها جنباً كمقولة مقدسة لا مساس بها.. لكن دعوة الشوباشي؟ إيه؟
 بنات الطبقات المتعلمة ردوا فوراً "الموضوع حرية شخصية لماذا يحتاج لمظاهرة! "  الصراحة رأيت أنه رأياً سديداً.... في المقابل فند البعض العبارة السابقة " حرية شخصية لدى الأسر المتعلمة التي تسمح للفتاة بالاختيار.. أما غالبية نساء الشعب فمجبورات..بالتالي محتاجين (زقة) من أجل ممارسة هذه الحرية" ... الله.. رأي أيضاً له وجاهة.. يعتقد أصحاب هذا الرأي أن الموضوع رمزي وأنه لا يتعلق بالحجاب بقدر ما يتعلق بفكرة أكبر، ممكن يعني نقول "ثورة على المجتمع الأبوي"؟ ..ممكن
رجال الدين قالوا " هل ترضاه لأختك؟ اليوم مظاهرة لفك الحجاب وغداً المظاهرة لترك فريضة الصيام ! ".. أما الأغلبية فرأوا أن طرح الموضوع أصلاً محفوف بالسخافة والسماجة غير المحتملة مع ظروف البلد الحالية وأنه من الأفضل الحديث حول المصائب الأهم مثل أعداء الوطن أو المياه الفوسفاتية على أسوء الفروض..فالوقت غير مناسب يا سادة.
"الوقت غير مناسب" .. عبارة طالما سمعتها من أبي عند رغبته في الهروب من مناقشة موضوع مهم وحرج يمس مستقبل الأسرة.. مثل شراء جهاز الفيديو كاسيت أو السفر للمصيف .. وأحياناً كنت أسمعها كرد على أي موضوع فلسفي لا لزوم له يتم طرحه للنقاش بلا هدف منّا سوى "مرازية" أبونا..
ورغم أننا كبرنا وعرفنا أنه لا يوجد موضوع "لا لزوم له" طالما يمس واقع حياتنا أو حتى يمس عقولنا الفارغة التي تدور في دوائر مكوكية بلا هدف "شغلتها كده"..
 ورغم أننا عرفنا أيضاً أنه بالعصف الذهني تحيا الشعوب، وأن المناقشة – على عكس الجريمة – دائماً تفيد.. إلا أنه ما من عبارة تكررت في حياتنا أكثر من " الوقت غير مناسب" ..
الوقت غير مناسب...في مصر هو شعار المرحلة وكل مرحلة  ..
"الوقت غير مناسب".. حجة جاهزة لإخراس أي لسان يطرح أي فكرة.. بعيداً عن دعوة الشوباشي وتمحيصها "اللي هي مش موضوع المقال ده "،  وبعيداً عن مذبحة إسلام البحيري والتخلص منه لصالح إرضاء الجماهير المذعورة.. أصبحت هذه العبارة حل سحري لإسكات المعارضين على كافة الأصعدة وإجهاض أي مناقشة موضوعية قبل أن تولد..
"عاوزين الإخوان يقولوا السيسي بيقلع الستات الحجاب؟ "
"عاوزين الإخوان يقولوا أن الحكومة بتشتم في البخاري؟"
"عاوزين الإخوان يقولوا الانقلاب عمل برنامج اسمه الراقصة؟ "...ينفع كده؟!
وفجأة أصبح الإخوان "أبلة ظاظا" جديدة .. مثل عمة "أو خالة" رجاء الجداوي في المسرحية الشهيرة .. فنجد رجاء تضرب صدرها تحسباً لما ستفعله بها الأبلة اللعينة  " يا شماتة أبلة ظاظا فيّا ! "
 والأبلة دوماً تهمل شئونها وتتفرغ لمراقبة الآخرين .. والأبلة لا تريد أن تموت وتُريح رجاء... والأبلة لن تموت لأنها فكرة .. وطبعاً الأفكار...... (أكمل السطر) ..
يعود بي كل هذا الهم إلى ما كان يحدث منذ سنوات..عندما كان  يتجرأ أحدهم ويطرح أي مشكلة مجتمعية للنقاش في فيلم أو برنامج .. كان النقاش فوراً يتحول عن المشكلة ذاتها إلى الدفاع المستميت عن " سمعة مصر " .. مش مهم مصر تموت ..المهم تموت شريفة !
ماهو طبعاً.. أومال عايزننا ننشر غسيلنا الوسخ قدام الناس ؟؟!
  الله ؟؟!  أليس هناك بديل ثالث أمام هذا "الغسيل الوسخ " ؟  إما أن نتركه مكمكم تحت السرير، أو نقوم بنشره  طازج من سلة الغسيل مباشرة إلى البلكونه ليراه الجيران بكل هذه البُقع ؟ ألن يجد هذا الغسيل المتعوس من يحنو عليه ويغسله "فومين" ويريحنا ؟
لماذا لا يخطر في بالنا أبداً البديل الثالث.. وهو إتمام عملية الغسيل ذات نفسها ؟! .. ربما الوقت غير مناسب لفتح   الغسالة ؟! .. ربما
         ........................................................................................................................



الثلاثاء، 5 مايو 2015

مطاردة البهجة بين القاهرة و بيروت



"البحث عن الأحلام" عنوان رفعته السينما مع بداية العام الجديد، ففي الأسبوع الأول من العام الحالي عرضت الشاشة الفضية فيلمين حول البحث عن الحلم الضائع.
وكما شهدت نهاية العام الماضي عرض " ديكور" أحمد عبد الله، عن ثنائية الحرية والقيد، وثنائية الواقع والحلم.. ومعضلة الاختيار..
 فقد بدأ العام الجديد، وعلى شاشات العرض في مصر فيلمان جديران بالمشاهدة لطزاجة التجربة المطروحة.
في عمل من تأليف وإخراج أمير رمسيس صاحب "عن يهود مصر" ، عاد النجم نور الشريف للسينما بعد انقطاع سنوات في فيلم "بتوقيت القاهرة" الذي شارك في بطولته سمير صبري وميرفت أمين، في سابقة من نوعها في السنوات الأخيرة. اعتمد الفيلم أيضاً على عدد من الوجوه الشابة. لكن كان وجود الكبار أساسياً، ولم يكن حلية لتزيين الصورة السينمائية كما في بعض أفلام النجوم الشباب.
قدم نور الشريف دوراً مرسوما بعناية أداه بصدق إنساني أبكى المشاهدين .. مريض الزهايمر الذي يبحث عن حبيبة مجهولة بينما يحيط به التعصب متمثلاً في أبنه الأكبر.. تكشف لنا الأحداث بطريقة غير مباشرة أن أسرة "يحيي" أو نور لم تغفر له أبداً زواجه من امرأة يهودية رغم إسلامها..
ورغم دفن الماضي بموت الزوجة ونسيان الزوج لقصتها بل وكل ماضيه، إلا أنه مازال متعلقاً بحبيبة قديمة مازالت على قيد الحياة "ليلى" أو ميرفت أمين. لا يذكرها لكن يذكر إحساسه القديم تجاهها.
 يخوض البطل رحلة محفوفة بالمخاطر من الاسكندرية الى القاهرة للبحث عن حبيبته وحلم صباه.. أمل يتعلق به بلا هدف محدد لذلك..
ذاكرة البطل لم تعد تسع الأحداث ولا الأشخاص بل فقط المشاعر المرتبطة بهما من حب أو كراهية.. يعرف البطل أنه يحب "شخصاً ماً" ولا يعنيه أن يتذكر "الشخص" ذاته.
يصحب البطل الى القاهرة تاجر المخدرات "حازم" أو شريف رمزي، خفيف الظل كما في معظم أفلامه، يترك بصمة ويجعلنا نتعاطف مع دوافع تاجر المخدرات أو "الديلر" رغماً عنّا ! المصادفة أوقعت يحيي في طريق حازم الذي كان سبباً في وصوله لحبيبته في النهاية.
في الوقت الذي يخوض فيه يحيى رحلته.. تخوض ليلى"ميرفت" الفنانة المعتزلة محاولات مستميتة مع سامح، الفنان المتصابي الذي خفت نجمه مثلها "سمير صبري"، من أجل فتوى سمعتها (وسمعناها نحن أيضاً منذ سنوات) تؤكد أن زواج الممثلين في الأعمال الفنية يعد زواجاً صحيحاً يستلزم الطلاق ! وليلى تريد أن تتزوج وبالتالي تحاول على مدار يوم كامل إقناع سامح بطلاقها..بينما يجلس هو في انتظار "الديلر" الذي يأتي له بالمخدرات التي تنسيه وحدته.
 ورغم أن الموقف الدرامي كان يتيح إمكانية واسعة لخلق الضحك..إلا أن المشاهد التي دارت بين ميرفت وسمير قد افتقرت نسبياً الى الديناميكية.. عوض ذلك أداء سمير صبري الذي اتسم بالحيوية والطرافة في دور جديد ومختلف.. فيما عدا بعض الجمل الحوارية التي أكد فيها على أهمية رسالة الفن، والتي جاءت أقرب للخطابة.
 ظهرت ملامح الصدق في أداء ميرفت أمين عند حديثها عن معاناتها من نظرة المجتمع لها كفنانة.. شعرت كمشاهدة بمعاناة بطلة الفيلم "ليلى"، ومعاناة "ميرفت" ربما في الواقع أيضاً..
 "سمر نجيلي" أو الصحفية الشابة التي تسعى لإجراء حوار مع النجم رغم محاولاته للتحرش بها، أضفت الكثير من خفة الظل.. واكتملت طرافة الموقف باقتراح سامح "سمير صبري"  حلاً هزلياً يتناسب مع المشكلة الهزلية .. فقد اختار أن يصور نفسه مع ليلى "ميرفت" في بيته في فيديو قصير يلقي خلاله "يمين الطلاق" عليها لإبراء ذمته والتخلص من إلحاحها! 
أبنة الفنانة ليلى والتي لا تحب مهنة أمها، تقضي اليوم في شقة مع حبيبها في صراع بين الرغبة والخوف..
 "أيتن عامر" أو سلمى، و"كريم قاسم" وائل.. قاما بتشخيص معضلة الحياة العاطفية التي يحياها الشباب، والصراع الذي يدور بينهما وداخلهما...نجح الحوار في أن يعكس تأرجح المشاعر واختلاف وجهة نظركل منهما ..الشاب لا يفكر سوى في اللحظة بينما الفتاة تريد المثالية في كل شيئ، وكلاهما صادق في مشاعره رغم اختلافهما.
تقاطعت قصص الأبطال معاً وأراد المؤلف نهاية سعيدة لهم رغم اعتماده في ذلك على عنصر المصادفة.. ولم لا ..  ومصادفات الحياة أغرب من المصادفات السينمائية في بعض الأحيان..
 وجد يحيى" نور الشريف" حبيبته ليلى "ميرفت" في نهاية  أسعدت المشاهدين. ربما لم  تحل مشكلات الأبطال بشكل نهائي، لكنها شكلت راحة  - ولو مؤقتة -  بالنسبة لهم.
ومثله مثل فيلم "ديكور" ..  يعلن الفيلم حالة من الاحتفاء بالسينما، وكذلك الحنين للماضي بشكل عام، فالقاهرة بتوقيت 2015 ليست كالقاهرة بتوقيت السبعينات.
                                   .......................
ماتبحث عنه يبحث عنك.. وكما نجح بطل الفيلم في الوصول إلى القاهرة بعد عناء للبحث عن حلمه، وصل أبطال فيلم  " من ألف إلى باء" إلى بيروت ربما بعد عناء أكبر !
الفيلم أيضاً تجربة سينمائية جديدة وجديرة بالمشاهدة، إنتاج عربي مشترك.. تشويقي كوميدي ينتمي بالأساس لما يعرف بأفلام الرحلات، والتي عادة ماتدور في الطرق وبين البلدان، ورغم ذلك لا يخلو من الرومانسية. الحوار للسيناريست والمنتج المصري محمد حفظي، والإخراج للإماراتي علي مصطفى الذي قدم الفيلم بصورة نابضة بالحياة.
 شادي ألفونس من مصر، فادي الرفاعي من لبنان وفهد البتيري من السعودية هم أبطال الفيلم، مع ظهور قصير وجميل لخالد أبو النجا ويسرا اللوزي ومها أبو عوف، وغيرهم من الممثلين ذوي الجنسيات المختلفة.
 قدم الفيلم الشباب الثلاثة رامي وعمر ويوسف، زملاء المدرسة الدولية في الإمارات، نصف كلامهم باللغة الأنجليزية كالكثير من الشباب الذي عاش مثل ظروفهم.
 يلتقي الثلاثة بعد فراق طويل بهدف القيام برحلة برية لإحياء ذكرى صديقهم الذي لقى حتفه قبل سنوات في لبنان، عن طريق تحقيق حلم كان يتمناه لكنه لم يحققه.
تدور أحداث الفيلم في عام 2011 بعد اندلاع شرارة الثورات العربية.. ويتناول بشكل بسيط  لكن غير سطحي أحلام وإحباطات هؤلاء الشباب والقضايا التي أحاطت بالمنطقة العربية بشكل عام ومازالت، من خلال رحلتهم من أبو ظبي إلى بيروت.
قدم الفيلم أماكن تصوير جميلة وجديدة بين الإمارات وبتراء الأردن وبيروت ، كما قدم شخصيات عربية من لحم ودم مبتعداً عن التنميط، فعل ذلك أيضاً في تقديمه لشخصية الفتاة الإسرائيلية بصورة إنسانية لا ملائكية ولا شيطانية، برغم نفور المصري "رامي" منها.
"رامي" أو شادي ألفونس الذي عرفناه ضمن فريق برنامج "البرنامج"، قدم شخصية طريفة للشاب المهووس بـ " تويتر"، والذي يحاول التخلص من تحكم والدته الدائم. برع شادي مثله مثل باقي فريق الفيلم في ترك علامة مميزة للغاية من خلال أداء الشخصية بصدق وتلقائية وطرافة.
الرحلة أعادت للثلاثة صداقتهم الضائعة.. وصلوا لوجهتهم في النهاية رغم الصعوبات.. زاروا وبكوا قبر صديقهم .
 ينتهي الفيلم..لكن بعد أن يترك لنا بارقة أمل... ليلة رأس السنة في بيروت الجميلة رمز الصمود، كانت بداية لتحقيق أحلام الثلاثة بشكل أسعدهم وأسعدنا معهم.
                                    ....................
من المهم أحياناً أن نصل لوجهتنا، لكن الأهم دائماً أن نستمتع بالرحلة.
                                    ....................




السبت، 18 أكتوبر 2014

كسر المعتاد مع إسعاد !

بعيداً عن برامج الأسرار وكشف المستور والصناديق السوداء، وبعيداً أيضاً عن برامج الفن التي تصنع من أي عابر سبيل بطلاً خارقاً، جاءت هي لتغرد خارج السرب وتطل علينا بضيوف فوق العادة..ليسوا بالضرورة نجوماً بالمعنى "المبتذل" للكلمة، لكنهم نجوم بشكل مختلف.
 هي أيضاً نجمة لامعة بحضورها وأناقتها والأهم معرفتها بأصول الضيافة.. مثقفة وفنانة تضيف من ذكرياتها لتثري الحوار أحياناً لكن أبداً ليس على حساب الضيف ولا من أجل الاستئثار بالضوء.
لا يمكن أن نقول أنه برنامجاً فنياً خالصاً، ولا هو برنامج اجتماعي، هو مزيج من كل شيئ ، والشيئ المؤكد أنه "مصري" للغاية.
الفنانة الكوميدية التي بدأت من الإذاعة، وانتقلت للفن ، أمتعتنا كممثلة في أعمال كوميدية بدون "فذلكة" ، وأمتعتنا ككاتبة جادة وساخرة في عدد من الصحف المصرية، وقبلها بسنوات على صفحات مجلة الشباب. كنت أنتظر كغيري المجلة كل أسبوع لأقرأ مقالها التي تستعرض فيه المجتمع وعجائبه بعيون ابنتها،  قبل أن تجمع مقالاتها في كتابها الساخر "مذكرات نورا المذعورة" !
وفي تحفتها غير المتكلفة  "بكيزة وزغلول"  أمتعتنا بحوار ممتع وشخصيات صادقة، وأداء كوميدي بسيط وتلقائي في عمل يظل – رغم السنوات – خارج المنافسة.
أختارت في سنوات لاحقة أن تطل على الأعمال الفنية من نافذة الإنتاج، بعيداً عن أداءها التمثيلي الذي افتقدناه للغاية. وأخيراً عوضت جمهورها بطلتها التلفزيونية المبهجة مستعينة بفريق إعداد فوق العادة أيضاً.. يظهر إبداعه وتجديده من خلال المضمون المقدم في البرنامج.. بل ويظهر معها على الطاولة  بعض أفراده أحياناً تناقشهم ويناقشونها أمام الكاميرات لا خلفها كما هو معتاد.
ونتيجة للمجهود الإبداعي المشترك للفنانة صاحبة الحضور الجميل مع فريق العمل المبدع، خرج البرنامج كقطعة فنية غير مزيفة بداية من التترات وحتى نهايته.
 أصبح البرنامج المفضل لقطاع كبير من الجمهور، فهو بمثابة واحة هادئة وسط صخب الحياة في مصر ووسط الضجيج المزعج في كافة مناحي الحياة.
في تناولها للفن تجعل " الموضوع " هو البطل الذي تسلط عليه الأضواء بعيداً عن اختزال القضية في شخص بعينه مهما كانت نجوميته.
 أمتعتنا بحلقة عن حي شبرا.. استضافت خلالها عدداً من النجوم، لكن يظل الموضوع هو البطل.. أمتعتنا بحلقات عديدة عن حياة الأرمن في مصر، وعن الغناء الشعبي، وعن الفرق الموسيقية المصرية التي لمعت ثم اختفت من الساحة، وعن صانعي الموسيقى التصويرية  وخبراء المفرقعات السينمائية ، وحتى نجوم المأكولات الشعبية !
وفي حلقة رائعة عن "الكومبارس" الذين نحبهم ولا نعرف أسمائهم، قدمت لنا نجوماً منسيين لكنهم لامعون للغاية، كنت أتمنى أن يطول العمر بالفنان "يوسف عيد" ليلتقي بها ، فبالتأكيد كان سيصبح لقاءهما متعة خالصة.
أما في الحلقات القليلة التي استضافت نجماً واحداً، مثل حلقة "حسن مصطفى" – والتي كانت من أجمل الحلقات بالمناسبة  -  فقد قدمت مشوار الفنان القدير من زاوية جديدة لم نرها من قبل،  ومع ذلك فقد كانت بمثابة رحلة ممتعة في كواليس المسرح المصري بشكل عام .. فيظل الموضوع هو البطل.. وهو الطرح المخالف لما اعتاد عليه الجمهور وما يفضله الإعلام المصري في العموم.
لفريق عمل "صاحبة السعادة "  شكراً لكم .. وأسعدتينا كالعادة يا أستاذة إسعاد !


الاثنين، 25 أغسطس 2014

صح النوم .. مونودراما الضحك والبكاء

"صح النوم" هو اسم عرض مسرحي قصير لفرقة اللعبة تم عرضه على هامش المهرجان القومي للمسرح في دورته السابعة، العرض عبارة عن 45 دقيقة من المونودراما أو الأداء المنفرد، ومنذ اللحظة الأولى للعرض يشعر المتفرج بإبداع الكاتبة الفنانة "منحة البطراوي" وما بذلته من جهد واضح لتهيئة النص لملائمة الثقافة المصرية . أبدعت "البطراوي" في عملية " تمصير" أحالت من خلالها نص "نوبة صحيان" للكاتب الأيطالي وصاحب نوبل "داريو فو" الى مفردات مصرية خالصة، ربما كانت صعبة في ترويدها بالنسبة للكاتبة، لكنها يسيرة على المتلقي، وبديعة في كل الأحوال.
أما المسرح فقد ضم ديكور معبر لكنه بسيط، أقرب ما يكون لمحاولات الأطفال في خلق عالمهم الخاص حين يعدون غرفهم للعبة التمثيل، هنا غرفة النوم وهنا المطبخ وهناك الحمام... كل ذلك في أمتار معدودة وحميمية للغاية، دعمها في توصيل المعنى إضاءة تخدم المضمون المسرحي لمصمم الإضاءة  "صابر السيد ".
البساطة في الوسط المادي الظاهر على خشبة المسرح، والخلفيات الموسيقية التي تصيب الهدف مباشرة لـ " شريف الوسيمي"،  يقابلها أداء تمثيلي سهل ممتنع من الممثلة والمخرجة  الشابة "دعاء حمزة" التي عزفت منفردة لمدة تقل عن الساعة أسعدتنا خلالها وأشقتنا في تكثيف بديع لحياة امرأة مصرية فقيرة.. في لحظة وليس أكثر نراها طفلة بريئة واسعة الابتسامة تحمل لعبا وتستمع لأغاني الأطفال التراثية.. وفي لحظة تالية زفافها السعيد الحزين، إلى أن نراها في هيئتها وهويتها الأخيرة   "أم إمام" التي لا نعرف اسمها قبل مولد إمام !
ككل الأمهات المصريات الفقيرات.. امرأة "شقيانة" . مجنونة قاسية وحنونة  وسعيدة وحزينة!
يصدق فيها قول الشاعر صلاح جاهين "مجبر عليك يا صبح مغصوب يا ليل" ،  فمنذ استيقاظها الاجباري وكل ماتفعله هو اجباري.. من اعدادها لمنزلها وتلبية احتياجات طفلها، حتى غسيلها لوجهها التي لا تستطيع ان تكمله، استعدادها للخروج بمظهر لا ترضى عنه لكنه ربما يرضي المجتمع، بحثها عن أغراضها التي لا تعلم في أي مكان وضعتها في اليوم السابق من كثرة ما تحمله من أعباء و"أكياس"، تطاولها على زوجها ثم خوفها من ان تؤدي صراحتها معه الى الوصول للطلاق، ورغبتها في التخلص من أيام الأسبوع والابقاء على يوم العطلة فقط في محاولة لاقتناص ساعات من الراحة لنفسها المكدودة..
أخذتنا "حمزة" في تنوعات بديعة بأدائها الجسدي والصوتي المتميز، تحولت خلالها في لحظات بين المرأة الشقيانة، والزوجة الساخطة، والأنثى الوديعة، والأم الغاضبة الراضية، والعاملة في مصنع وسط ماكينات تقطع أصابعها في كوابيسها الليلية..
في دقائق خاطفة تقتنص من المتفرجين ابتسامات ودموع وتغمرهم بمفاجآت ساخنة وباردة متتالية غير منقطعة، لا تكاد تفلت لحظة واحده من انتباه المشاهدين سوى في اللحظة الأخيرة للعرض التي تحاول فيها الاستسلام لبعض الهدوء وإعادة رضيعها الى النوم مجدداً بعد نوبة صحيان مزعجة وتعيسة أصابتهما.

الأربعاء، 26 مارس 2014

وعد غير مكتوب

نجوى حلمي ... نجمة السينما الأولى في التسعينيات...  ممشوقة القوام... جميلة لكن شيئ ما غامض أصبح يعتري جمالها.. يبدو أن موضة هذا النوع من الجمال انتهت...ربما.
 آخر فيلم قدمته  منذ عشرة أعوام.. وأين المشكلة.. على الأقل ما زالت تتمتع بالذوق الرفيع في انتقاء الملابس...والكلمات..
تظهر أحيانا على صفحات  بعض المجلات.. كما أن ثقافتها تؤهلها بامتياز لتصبح عضوة  في الكثير من المهرجانات الفنية.. كل شيئ على مايرام.. ماذا يريد الفنان العظيم أكثر من ذلك؟!
 لكنها ليست تحت الأضواء ... الأضواء الحقيقية ..المبهرة.. وليست الخافتة.
تتذكر المخرج رأفت صادق، تعرفه منذ كان مساعدا صغيرا "جدا"  لمخرج  أعمالها  "الراحل"..   

ورأفت أسمه الآن.. في السماء.. يسير بسرعة برق ولمعان نجم.. تراه في برامج وصحف لا حصر لها.. هل أصبح المخرجون نجوما في هذا الزمان؟؟
  لم لا.. وهو بمثابة تلميذ في مدرستها .. طبيعي أن يصبح لامعا الآن .. لمعانه يعيد لها نشاطها .. تبحث في أوراقها القديمة عن رقمه... تدعو الله أن يكون الرقم صحيحا، ويستجيب الله للدعاء..
 تكلمه.. تهنئه على نجاحاته ... يبلغها أن فيلمه الأخير مشترك بالمهرجان الأعظم للسينما العربية ..في "الدولة الشقيقة الفلانية" .
تطير نجوى من السعادة، ياللمصادفة المكتوبة.. هي عضوة لجنة التحكيم بهذا المهرجان.. ستراه هناك.. ربما كل ذلك مكتوب.. بالتأكيد هو كذلك..
يكلمها عن مشروعاته الكثيرة القادمة وحلمه في التعاون معها.. يحمر وجهها من خلف ستار الهاتف لكن.. ترد بهدوء بارد.. بثقتها المعهودة غير المبالية.. مثلما تتحدث نجمة مع مساعد مخرج – فقط -  لتشجعه.
تغلق الهاتف وتضحك.. وتضحك لها الدنيا، تسحب مبلغا كبيرا من المال من حسابها لشراء ملابس جديدة.. ليت الوقت والمال كانا يتسعان للسفر إلى باريس من أجل التسوق.. لكن ملحوقة..
 تصبح ملامحها أكثر استرخاءا عن ذي قبل.. لا مانع أن تكون عودتها مع مخرج صغير.. مثل رأفت.
 تزيل كل الأفكار السلبية التي تراودها بأن مخرج فيلمها القادم، رغم تحقيقه لعدة نجاحات في العام الأخير،
  إلا أنه لايزال لا يليق بمقامها ..
في المهرجان .. هي الخبيرة.. فيلم رأفت جيد ... تنظر له بإعجاب طوال  المهرجان.. فعلا يستحق أن يكون تلميذ الأستاذ الكبير.. رحمه الله ... الأهم أنه يستحق أن يكون مخرج فيلمها الجديد..
 لكنها مازالت خائفة من خطوة قدميها .. هل يريد أن يستغل أسمها الكبير لتلميع أسمه؟.. هل تقبل بطولة فيلمه القادم؟ وماذا لو لم تكن بطولة؟ لا تتحمل صدمات جديدة.. لكن ولم لا، كل نجوم العالم الكبار يمثلون أدوارا صغيرة جدا في بعض الأفلام... ستقبل الدور لأنها تثق في رأفت... وبذكاءها ستجعله دورا لا ينسى..
تصحو من غفلتها.. تصوّت نجوى لرأفت.. هي وعضوان آخران من دول شقيقة أخرى..  ويصوت العضوان الأجنبيان لفيلم آخر..
تحسم نجوى النتيجة لصالح فيلم رأفت .. هي سعيدة للغاية... الآن فقط يصبح هو"مخرج كبير" يستحق العمل مع نجوى حلمي ...
 تلتقي به على العشاء ... يتحدثا كثيرا عن فيلمه الجديد ... يثني على موهبتها وتاريخها.. ويتمنى أن يكون الأداء في الفيلم الجديد أشبه بأداءها في فيلمها القديم الأشهر.. تعده بذلك بنظرة من عينيها..
 يأتي النجوم للتهنئة ..تهنئه النجمة الشابة بحرارة، ينظر لنجوى ويبلغها أن النجمة الصاعدة.. بطلة فيلمه الفائز..معهم أيضا في فيلمه الجديد... تجاملها نجوى، رغم عدم إعجابها بتمثيلها .. المتكلف...
 ينظر للنجمة الواعدة ممازحا " عاوزك تعصري الأستاذة ومفيش مانع تقلديها كمان".. يبتسم ...
ينتقل نظره لنجوى "يشرفني أنك تحضري معانا أول يوم في اللوكيشين .. وياريت كل الأيام ..هتنورينا " ..
تضيع الابتسامة في وجه نجوى .. تسترجع ماحدث في اليومين الأخيرين مثل التائهة.. يقاطع رأفت أفكارها   "على فكرة لازم أشكرك.. متأكد أن صوتك كان لصالحي .. مش ممكن يكون فيه فيلم مصري وماتديلوش صوتك ..حضرتك مشهورة بتعصبك لبلدك"..
تحملق في وجهه بابتسامة مُرهقة كالبكاء : "  أنا ضميري المهني مايسمحليش بالمجاملة حتى ولو علشان أرفع أسم مصر"..  تشيح بوجهها عنه.. " فيلمك كان أحسن فيلم السنة دي"..