الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

شوفتوا Frasier

لأ بجد شوفتوا الدكتور (فريجر) وأخوه (نايلز) وأبوهم (كرين)!
دول مش أصناف أكل والله دول أبطال المسلسل الأمريكي الشهير اللي بيتذاع على قناة دبي
one وغيرها، المسلسل ده أجنبي آه، من عند بلاد الخواجات أي نعم، مدته لا تزيد عن ½ ساعة آه، لكن حاجة جامدة أوى، مليان قيم وتجارب إنسانية وأحاسيس تهز الوجدان، ومش مهم بس مليان أية، المهم كمان شكله أيه (فزى ما بتوع الإعلام بيقولوا الشكل لا يقل أهمية عن المضمون!).

شكله جذاب جداً، كوميدي جداً، كوميديا الموقف طبعاً، بلا افتعال ولا تكرار، وقال أيه الأجانب دمهم واقف، ده يموت من الضحك، يخليك تضحك على نفسك وفي الآخر يعلمك درس، دي فايدة الدراما،و الدرس مش ان الخير راح ينتصر فى الاخر و الشرير ده اخص عليه(و لا اعتراض لنا على ذلك ) ،لكن القيم الانسانية اعمق و ابسط، يعنى السهل الممتنع اللى يخليك تشوف الضعف الانسانى اللى جواك و تواجه نفسك بيه ، المسلسل ده مش لوحده، ده فيه غيره كتير وكتير، هما صحيح مليانين قيم تانيه غربية غير مقبولة عندنا، وعيبهم أنهم بيخلوا الواحد يحس أن طريقة الحياة بتاعتهم دي عادي جداً، عشان كده ممكن يبقى خطر على مخ الجماعة المراهقين (من كل الأعمار)، لكنه في الحقيقة مش أقل خطورة من مسلسلات الـ 45 دقيقة بتاعتنا، مش كلها وحشة طبعاً لكن معظمها،

(نقول نصفها) فيها عيوب ومط أو قيم بلهاء وموعظة مباشرة مخنقة بأمانة، ناهيك عن المقدمة والنهاية اللي هما ذات نفسهم (التتر) اللي مليانه أسماء في أسماء (بصراحة بحب أغاني ا لتترات أوى وبتابعها أكثر من المسلسل نفسه).

والدراما عموماً جزء من المجتمع، وباختصار الدراما عندهم جزء من باقي منظومة الفكر والأدب، اللي هو متقدم جداً، روايات (هارى بوتر) و (دافنشي كود) اللي هي (شفرة دافنشي) وبغض النظر عن قبولنا أو رفضنا لمحتواها، وغيرها أعمال كثيرة، دي ألفها ناس (زينا) مش زايدة أيد ولا رجل عننا، لكن مخها لسه فيه خيال وابتكار لأنها اتحرمت من التعليم المصري ،اللي هو زي الهواء بالنسبة لأى إنسان مصري(باضافة السحابة السوداء).

عشان كده الكتب دي باعت بالملايين، ولما بتوع السيما بيجوا يعملوا فيلم واللاحاجة بيدوروا الأول في الإنتاج الأدبي المنتعش.

(وعلى فكرة اللي بيوصل مصر من الكتب الأجنبية ده النذر القليل من الأكوام الأدبية المتلتلة عندهم من كل شكل ولون واللي شاف مكتبات لندن عارف قصدي كويس).

المهم عندنا أحنا كتاب الدراما مخاصمين كتاب الأدب (اللي هما اضمحلوا من فترة).

وأي كاتب مسلسل منافسة الأول هو (مجدى صابر) أو (عكاشة) مع احترامي للأسماء وتاريخها، لكن يا جماعة لازم تبوصوا لبره (مش لما تبصوا جوه الأول) ، وأنا هنا لا أدعوا للعولمة أو الأمركة فلست من أنصارها، لكنها آتية لا محالة، فلازم نوسع دائرة المنافسة في الإنتاج الدرامي، لأنها اتسعت بالفعل لتشمل العالم، مع انتشار الدش اللي بقى أكثر من التليفزيونات.

فلازم صناع المسلسلات والأفلام المصرية يدوروا على الأعمال الأدبية الجيدة ويشجعوا على إنتاجها، ويعرفوا أن الفكر الجيد ما بيكونش بالضرورة مخاصم الجمهور أو دمه تقيل (نفسنا في مسلسلات كوميدية يا أخونا) كما أن الحرفنة تكمن في نقل أفكار كثيرة وجديدة من خلال أعمال محبوكة أو مبلوعة (قل مهضومة) عشان تدخل على دماغ المتلقى مش مهم تقنعه وتبرمجه، المهم تخيله يفكر أساساً ومخه يتحرك ولو عملنا بوصية سيدنا النبي من الأول مكانش فيه داعي لكل الرغي ده، لأنه قال (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) اتقنوا يا جماعة وحياه أبوكم، والإتقان مش معناه العمل بذمة وضمير وبس لكن معناه اعمال العقل أولاً، والله أعلم، والسلام

الأحد، 10 أغسطس 2008

يوم القيامة

كل كام سنة حد ييجي يقول لنا الشيخ الفلاني بيقول علامات القيامة ظهرت … علماء أمريكا قالوا الكون سينفجر … دي نهاية الكون …. يعني باختصار كل الناس خايفة من اليوم ده، سواء مؤمنين بالبعث … أو مجرد مؤمنين بالعلم على أساس إن يوم القيامة هو مجرد انتهاء العمر الافتراضي للكون.

وفي مسألة الخوف دي، كلٌ يغني على ليلاه … المؤمن بالغيب والبعث بيبقى عامل حساب "الحساب" … بمعنى آخر عامل حساب "يوم الحساب" ، وكل واحد حسب عمله .. يعني اللي عارف إن عمله أسود ومنيل في الدنيا وظالم ناس ومضيع حقوق ناس أو واكل حقوق ناس هيبقى مرعوب من الحساب لذلك لما يحس إن اليوم ده اقترب … سيستميت في إرجاع حقوق الله وعباده قبل أن يلقى ربه .. وحتى اللي كان عارف إنه ماشي على الصراط المستقيم، أو يعني عارف إنه كان دائماً يحاول أن يتقي الله على قدر استطاعته سيخاف طبعاً من هذا اليوم ربما لخوفه من "هول" اليوم … وربما لخوفه من "الجهل بما يحدث" في ذلك اليوم … ولما يحس إن اليوم ده اقترب طبعاً سيحاول أن يستزيد قبل لقاء "وجه الكريم" ... والشخص المستنير يعرف أن الاستزادة تكون بإكثار العبادة، كما تكون بإكثار العمل المخلص النافع في الدنيا، وهذا العمل المخلص النافع قد يكون أصعب من العبادة ذاتها.

أما غير المؤمن أساساً بهذا اليوم فربما يسعى للاستزادة من متع الدنيا قبل أن يأتي يوم الفناء من وجهة نظره .. أو ربما يصيبه الاكتئاب والذهول والزهد في الدنيا وما فيها، لأنه أحبها كثيراً، ومن يحب شيء يصعب عليه فراقه، خاصة أن الدنيا هي "جنة العاصي وسجن المؤمن" كما يقولون.

وعلى كل حال موضوع يوم القيامة ده مش هو الشيء الوحيد المخيف سواء للمؤمن أو للكافر، لأن كل واحد يوم قيامته هو يوم موته وعلى رأي المثل المصري اللي الأمهات بتقوله لأولادهم لما ييجوا يصحوهم من النوم "قوم قامت قيامتك" والعياذ بالله، عموماً يوم الموت هو اليوم الذي ينقطع فيه عمل الإنسان، سواء العمل الطالح أو الصالح (ما عدا طبعاً العلم النافع والصدقة الجارية ودعاء الولد الصالح)، ويوم الموت هو يوم نهاية الحياة الدنيا بالنسبة للإنسان وبداية حياة الغيب التي لا يعلمها إلا الله … ومن نعمة ربنا علينا أنه أخفى هذا اليوم عننا... وللأسف لم يحدث من قبل أن عاد أحدهم من موته ليحكي لنا تجربته … لكن لا داعي للأسف هنا، فهي التجربة الوحيدة تقريباً التي لا ينجو منها بشر، يعني زي ما بيقولوا كأس وداير على الناس، يعني هنشوفه هنشوفه، وربنا يسترها معانا

الأربعاء، 6 أغسطس 2008

أحمد حلمي .....بدون إزعاج

بدون إزعاج ... ولا ضجة إعلامية أو دعائية، قدم الفنان أحمد حلمي فيلمه الجديد..... نجم الشباك الذي حصد أعلى الإيرادات والضحكات في الأعوام الأخيرة بأفلامه الكوميدية الراقية، قرر أن يقدم هذا الصيف شيئا مختلف.

منذ عدة أعوام فاجئ جمهوره بفيلم آخر مختلف هو " صايع بحر" ، وفي هذا العام فعلها أحمد حلمي مجدداً في فيلم من تأليف أيمن بهجت قمر، وإخراج خالد مرعي، قدم أحمد حلمي شخصية شاب مريض نفسيا، مريض الفصام ( أو انفصام الشخصية بلغة رجل الشارع)، الذي يعاني أيضا نوعا من جنون الارتياب، والذي يشعر انه مضطهد من الآخرين، ويتفاعل مع شخصيات يخلقها خياله ولا تتواجد في أرض الواقع، ليصنع بذلك عالمه الخاص الذي لا يشاركه فيه أحد.

يبدأ الفيلم كالعادة بطريقة "حلمي" الكوميدية المعهودة، ويتصاعد الإيقاع المتسارع حتى يصل بنا إلى ذروة الأحداث، والتي يكتشف فيها البطل، ويكتشف الجمهور معه أنه مريض نفسي.

مثله مثل أفلام أخرى قليلة قدمتها السينما المصرية ـ كان آخرها التوربيني ـ عالج الفيلم قضية المرض النفس بشكل جاد بلا مبالغة أو افتعال أو سخرية .

الشاب المريض الذي يهوى التحليق عالياً... والذي يخفي مرضه النفسي موهبة تصل إلى حد العبقرية .. مغامرة فنية تحسب لأحمد حلمي ولصناع الفيلم الذين راهنوا على تقديم النجم الكوميدي المحبوب بشكل جديد لم يألفه الجمهور حتى ولو جاء ذلك على حساب الإيرادات مؤكدين بذلك على أهمية أن يرتقي الفن بذوق الجماهير.

تألقت دلال عبد العزيز كعادتها.. أما محمود حميدة فقد ظهر في قمة لياقته الفنية والإنسانية ليقدم دوراً لا ينسى لفنان متمكن.

نجح الفيلم في انتزاع ضحكات ودموع الجمهور في الوقت نفسه.. ونجح أيضا في تقديم نهاية سعيدة للأبطال رغم كل شيء

حسن ومرقص وكوهين!!

على شاشات السينما هذا الصيف فيلم انتظره الجمهور ...ليس فقط لحساسية موضوعه، بل بسبب الشوق إلى نجم مصري عالمي..."عمر الشريف" ،يقف بجواره النجم "عادل إمام" (ولأول مرة في فيلم قصة مش مناظر!) .

في بطولة مشتركة لفيلم يحمل الأسمين معا جنبا إلى جنب "حسن"..و"مرقص".. و بدون "كوهين" هذه المرة ،

قدم الكاتب "يوسف معاطي" فكرة مبتكرة جدا رغم بساطتها، في محاولة منه للإجابة عن سؤال طريف هو "جربت يا مسلم تبقى مسيحي؟؟ " والسؤال نفسه أيضا يوجه للمسيحي " جربت تبقى مسلم؟! "

الفيلم تناول قضية الفتنة الطائفية التي مللنا من مناقشتها في السنوات الأخيرة في مصر على طريقة تبادل الأمكنة Trading Places يعني كل واحد يضع نفسه مكان الثاني ...قدم الفيلم ببساطة وجهة نظر كل طرف... وهي وجهة نظر واحدة، الكل يرى نفسه مضطهدا دون غيره، كل طرف متوجس من الآخر، وهو ليس حال المسلمين فقط مع الأقباط، بل حال مجتمع كامل يعيش أفراده ثقافة التعصب ورفض الآخر ولا يحترمون ثقافة التعدد والاختلاف.. كل طرف يريد للطرف الآخر أن يموت ليحيا هو. وللأسف فالكل فعلا مضطهد.. المواطن لا قيمة له في أعين النخبة الحاكمة، بل في أعين المجتمع ككل، وهو المجتمع الذي تناسى قيمه القديمة في رحلته للبحث عن لقمة العيش.. مجتمع لا تحكمه العدالة والمساواة، بقدر ما تحكمه أخلاقيات الزحام و ثقافة البقاء للأقوى..فتضيع بذلك حقوق البشر.

جاء أقوى مشاهد الفيلم عندما اجتمعت الأسرة المسلمة مع الأسرة المسيحية في شقة واحدة في نهاية الفيلم وكل منهما تعتقد أن الأسرة الثانية على نفس دينها، حيث لعب الفيلم على وتر إنساني وحساس للغاية ...فكل إنسان يبحث لدى غيره من البشر عن أي شيء مشترك...أي شيء متشابه... أي مساحه من الاتفاق تجمعهما سويا... ورغم أن كل شيء بين البشر مشترك وان القليل من الأشياء فقط يفرقهم ، إلا إنهم لا يرون إلا الاختلاف ويعزلون أنفسهم عن الآخرين بإرادتهم...متناسين أنهم في النهاية بشر..

وبالرغم من أن الفيلم قد اختزل " أسباب" التعصب الطائفي وقدمها بشكل سطحي، وكأن هذه الأسباب تكمن فقط في ما يروج له بعض المتشددين من رجال الدين، وتناسى بذلك الأبعاد المتشابكة للمشكلة... إلا أن "النتيجة" التي قدمها الفيلم للمشكلة هي نتيجة مؤكدة وحتمية للغاية، فعندما تشتعل نار الفتنة يكون من الصعب إخمادها فتحرق الجميع لا تفرق في ذلك بين مسلم وقبطي.

ليلة البيبي دول

ليلة البيبي دول... فيلم أراد صانعوه توصيل صرخة احتجاج علي الواقع العربي والعالمي في الستة عقود الأخيرة.. من خلال ليلة واحدة فقط يتساءل الفيلم من خلالها هل سيتغير وجه العالم؟؟

وعلي عكس ما آثاره بعض النقاد من عدم وضوح الفيلم أو صعوبته وازدحامه بالأحداث والقضايا، لم يقدم الفيلم سوي قضايا مترابطة عضويا أو هي بالأحرى قضية واحدة، عزف الفيلم علي تنوعاتها الكثيرة.

طرح الفيلم قضية هيمنه القطب الواحد، صوت واحد يسيطر علي العالم .. هو صوت الولايات المتحدة وصغيرتها المدللة إسرائيل، يحمل الي العالم حربا مزعومة ضد ما أسمته إرهاباً، في ظل سعيها الدائم للبحث عن عدو يجسد كل شرور العالم، وتبرر من خلاله فرض إرادتها علي الآخرين.

من خلال خلط حقيبتي بطلي الفيلم، والتي تحمل أولاهما الأمل في الغد، والثانية نية الثأر علي ظلم غاشم وقع في الماضي، طرح الفيلم بانوراما للواقع العربي المرير من خلال لقطات سريعة تذهب وتعود بين الماضي والحاضر بشكل مكوكي أخاذ.

قدم الفيلم وجهات النظر المختلفة للبشر من مختلف الأعراق والثقافات، أجبر المشاهد علي التعاطف مع القهر العربي في شتي أقطار الوطن، كما أجبره علي التعاطف مع يهود الهولوكوست، وقائد المارينز الأمريكي الذي يؤمن بأنه ضحي بسعادته وبأسرته ليحمل روحه علي يده من أجل تحرير بقعة نائيه من الأرض.

استطاع المخرج أن يؤثر علي الجمهور بقصص أثارت البكاء لأبطاله عوضين وشكري وليلى خوري وسارة، بينما جاءت قصة ثريا زميلة حسام في الجامعة كقصة ملفقه (محشورة) في السياق وجعلتنا نتساءل ( هما كل اللي في الفيلم راحوا فلسطين واللا ايه)، خاصة مع ظهور نيكول سابا بكامل زينتها وهي تصور المذابح الفلسطينية، ثم مشهد الكنيسة الذي آثار ضحكات الجماهير.

أجاد نور الشريف في شخصيه الإرهابي الذي يحظي بتعاطف الجمهور، بينما جاءت مشاهد محمود عبد العزيز وسلاف فواخرجي مبالغ فيها، خاصة مع لهجة سلاف التي تذبذبت بين المصرية والسورية.

وبالرغم من إجادة ليلى علوي في الكثير من المشاهد إلا أن طريقتها أيضاَ تذبذبت بين سارة الأمريكية اليهودية المحبة للسلام، وبين ليلي علوي التي تحاول إغراء المشاهد المصري بحركات فمها وعينيها!!

جميل راتب، ومحمود الجندي، وطبعاً أحمد مكي، أسماء أضافت بصمة لاتنسي لدي المشاهد.

عيب الفيلم الأكبر هو بعض عبارات الوعظ المباشرة علي لسان حسام وساره في نهايات الفيلم، والتي أختزلت القضية في شخصية جورج بوش بطريقة سطحية لا ترقى للطرح المقدم.. وبالرغم من ذلك فقد نجح الفيلم في تقديم رؤية عميقه وبسيطة لا تستخف بعقل المثقف، في الوقت الذي لا تستعصى فيه على عقل وإدراك المشاهد العادي.

هــــــي فــوضــــى

على أنغام موسيقى مستوحاة من لحن فرنسي قديم قدم الفيلم فوضى الأخلاق والأشياء والبشر ، قدمها الفيلم فى طرح جرئ ... اختار مخرجا الفيلم فوضى السلطات التشريعية والتنفيذية ، واختناق السلطات القضائية مدخلا للفوضى التى نحياها ليل نهار .

وفى ظل فوضى الانتخابات وقمع المظاهرات وانتهاك الحرمات ، يعطى المجتمع السلطة لغير أهلها .

يتحول القصر القديم بشبرا بكل ما يحويه من روعة تاريخية عفى عليها الزمان ... إلى وكر للقهر والمع ... أمين شرطة القسم ... (حاتم) رمزا قاتما لسلطة (تحكم ولا تملك) ، مكروه من كل البشر ، يسد جوعه من عرق غيره .... ولا يشبع وفى ظل الظروف الطاحنة ... كل شىء عنده بمقابل .... انتحرت بداخله ذرات الضمير البشرى ... يتقاسم مع المومسات أموالهن ، يمزق التاريخ بأبخس ثمن ، ولا يعرف للفن قيمة ، يتقاسم مع كل لص جريمته ... حتى يفشلا ... فيعاقب اللص وحده ... ويظل هو حراً طليقاً .

القصر ليس وحده مملكته ، مملكته فى كل مكان ، لكن داخله مظلما موحشا ، كذلك أيضاً منزله ... لذته دائما مسروقة ، ويجد فى التلصص متعته ... (يحكم ولا يملك) .

يتعطش لكلمة حب واحدة تنير ظلام نفسه ، ورغم فشله فى شراء الحب بوجبة سمك أو شعر نيولوك أو بعمل من أعمال السحر ، إلا أنه يجد فى المومسات و(الموالسات) سلوته التى تقنعه بجمال وجهه القبيح !!

يدنس ثوب البراءة ليزرع بذرة الكراهية ، ومن أين تأتى الكراهية إلا من رحم الكراهية...

نجح مخرجا الفيلم فى تصوير كراهية شعب لرمز سلطة لم تعد تجد ما يقربها من شعبها زلفى ... تحكم ولا تملك ، وتكتب بيدها نهايتها كما حدث لبطل الفيلم .

خالد صالح قدم صورة لفتوة العصر الحديث ، استطاع بعبقريته كسب تعاطف الجمهور ، ورغم فظاظة الشخصية المعجونة بالقهر والحرمان ..... إلا أنها تظل من نبت التربة المصرية ..

قدم شخصية مصرية مائة بالمائة موزونة بميزان دقيق ومعجونة بالقهر والحرمان ...

ليلة سقوط بغداد

"ليلة سقوط بغداد" فيلم اثار ضجة للمخرج محمد أمين، مثله مثل (فيلم ثقافي) العمل الأول للمخرج – يأتي الفيلم بحالة من الدهشة والصدمة والتي تنبع من طرافه الفكر، وجرأة الموضوع.

تسقط العاصمة العراقية في أيدي القوات الأمريكية، يقترب بنا مخرج الفيلم ليتوقف عند منزل الأستاذ شاكر – الرائع حسن حسني – ناظر المدرسة الذي يمنع تلاميذه من التظاهر، لكنه يتخذ داخل أسرته مواقف أكثر جرأه، يشترك ولده وابنته في مظاهرات وحملات لمقاطعة المنتجات الأمريكية، الأب أصابته حالة من الكراهية الشديدة والذعر خوفا من تكرار مأساة العراق في غيرها من العواصم العربية.

بطل الفيلم – على عكس أغلبنا – إيجابي للغاية، يتوصل لضرورة التجهز بسلاح لردع القوات الأمريكية عند دخولها القاهرة، وهو ما يراه حتمية لا مفر منها، يتذكر تلميذه العبقري طارق، الواعد أحمد عيد، يوظف إمكاناته من أجل حث طارق على اختراع سلاحاً للردع، يفشل طارق في اختراع الجهاز متعللاً برغبته في إشباع احتياجاته العاطفية أولاً، يزوجه شاكر بابنته سلمى – الوجه المعبر بسمه، يتعلل مجددا على عدم قدرته على أداء واجباته الزوجية بسبب حسرته على واقعنا المرير!

أحمد عيد أدى دوره ببراعه، الشاب المصري الضاحك والباكي، المجتمع يقتل مواهبه فلا يستطيع النجاح، يقف في صفوف العاطلين، لم يعد يشغله سوى الجنس والمخدرات، يتمنى فرصه للهجرة إلى الخارج، لم يتبق من وطنيته شيئاً، لكننا لا نستطيع إلقاء اللوم عليه، فهناك جيل كامل سبقه يستحق بعضا من ذلك اللوم. الفيلم يصور الواقع المرير للمجتمع بدون افتعال أو انفعال، إبكانا حسن حسني بتعبيرات وجهه الناطقة بحالة الرعب التي يحياها ليل نهار.

سيمفونية العزف على المشاعر الوطنية في الفيلم جاءت صادقة، غير صاخبة، لم يتردد المخرج في تركيز الكاميرا على صور ضحايا أطفال العراق والتي أثارت الذعر داخل دور العرض، كما أحزننا كثيرا بمشهد تمر به القاهرة محترقة ومشوهة داخل مخيله البطل.

لم يخلو الفيلم من المشاهد الضاحكة، أجملها محاولة طارق اقناع سلمى بالزواج منه، حيث تعترف له أنها لن تتزوجه إلا من أجل مصر، فيرد بتلقائيته المعهودة (أهي يتبقى مصر نفعتنا بحاجة)!

"الجنس" كان فكره محوريه جاده في الفيلم استخدمها أحمد أمين بذكاء شديد، لكن ذلك لا يبرر الجرعة التي قدمها المخرج من المشاهد العارية ومشاهد الاغتصاب وغيرها ولا يغفر له إن الفيلم للكبار فقط، ورغم أن "الجنس" كان يهدف الصدمة أساسا لا الإثارة.

ميزة الفيلم الكبرى أنه يحاول أن يخاطب عقل المشاهد وحثه على الفعل، فالفيلم يضع المواطن في المقدمة ولا ينتظر العون من حكومات عاجزة غير قادرة على الحركة، فالحس الوطني يأتي من خلال نبض المواطن وبلا نفاق سياسي للحكومة أو المسئولين.

اختيار المخرج للممثلين كان موفقاً، حسن حسني لا مثيل له في إدخال الحسره إلى قلوب المشاهدين، أحمد عيد أضحكنا وأحزننا (والوم عليه تشاؤمه وإعلانه ندمه على الفيلم في إحدى القنوات الفضائية قبل عرضه الجماهيري)، تألق الجميع، الأدوار الثانوية كلها معبرة، محمد الصاوي، إحسان القلعاوي، يوسف داوود وغيرهم، لطفي لبيب كعادته يترك انطباعاً رغم صغر دوره.

النهاية الذكية التي وضعها مؤلف الفيلم أخرجته من مأزق الاختيار الصعب ما بين نهاية سعيدة وبلهاء لا تليق بالطرح المقدم، وبين نهاية كئيبة وواقعية قد تصيب المشاهد بالإحباط.

اختار المؤلف إنهاء الدراما ببارقة أمل ودعوه للعمل من أجل الوطن، فبالرغم من دخول القوات الأمريكية إلى شوارع العاصمة المصرية وبالرغم من وجود بطلي الفيلم في مستشفى الأمراض العقلية – وهو مكان العقلاء في بلادنا – إلا أن سلاح طارق قد أفلح في ردع الطائرات الأمريكية، لينتهي الفيلم باغنية (معانا ريال) بصوت الطفلة المعجزة فيروز لينقل إلينا رسالة مؤداها أن امتلاك القليل قد ينجح في فعل الكثير.

بلاج للسيدات في مارينا....موضة أم ضرورة؟؟

كنا في السنوات الماضية وقبل ارتداءنا الحجاب نتمتع بنزول الماء سواء في البحر أو في حمامات السباحة بالنادي ولكن بعد ارتداءنا للحجاب الشرعي أصبح الأمر مجرد متعة من ذكريات الماضي، هذا ما تفكر به الكثير من الفتيات.

البلاج الذي انشىء للسيدات فقط في مارينا عبارة عن جزء من شاطئ البحر محاط بسور عال من الخوص يمنع أعين المتطفلين من الرجال من رؤية النساء الذين تزاحمن بشدة ما بين مجموعة تتمتع بالمياه، ومجموعات أخري ترقص على الموسيقي المنبعثة من الـ DJ داخل الشاطئ، والعاملات في البلاج يطلقن الصافرات لسيدتين أصرتا على التمتع بمياه البحر حتى آخر لحظات النهار قبل غروب الشمس، حيث يغلق البلاج أبوابه مع الغروب، وعند آذان المغرب تزاحمت السيدات على غرف تغيير الملابس وبدأن في الوضوء وارتداء الملابس والصلاة على الرمال وبينما قد يجد البعض تناقضا ظاهريا بين التجمع حول حلبة الرقص وبين التجمع للصلاة، إلا أنه كما يري البعض لا توجد مشكلة... فكلهن سيدات.

قضيت يوما داخل الشاطئ ، والحقيقة أن هذا اليوم لن أنساه ما حييت فمنذ طفولتي تقريبا لم أنزل إلى مياه البحر اللهم إلا مرة واحدة ارتديت فيها ملابس البحر للمحجبات أو ما يطلق عله (مايوه شرعي) وطبعا غطاء للرأس واخترت أحدي المناطق التي بدت خالية من الشاطئ ونزلت مع صديقة ولكني لم أشعر بالراحة مطلقا، فليس لدي السلطة لمنع توافد الرجال أو أي أشخاص حولي وعلى الرغم من تغطيتي لجسدي إلا أنني لا أشعر بالراحة مع ملابس البحر الضيقة ولم اشعر بالمتعة بالطبع، أما عندما سمعت عن بلاج السيدات، ذهبت في أول فرصة وكنت وحدي بلا صديقات وبالرغم من ذلك فقد استمتعت متعة كبيرة جدا لن أنساها فهذه المرة الأولي التي يلامس جلدي وشعري البحر بحرية، والحقيقة أنني شعرت بالأمان فالعاملات من السيدات، كذلك المنقذات والبائعات في أكشاك الملابس والأكسسوارات والكافتيريا من السيدات، الأمر الذي شعرت معه أنني داخل مجتمع متكامل تعيش به السيدات في حرية.

والحقيقة أن الكثيرات من السيدات المصريات يشعرن بنفس الشعور ونفس الظلم الذي يقع على عاتقهن، فالمتعة والمرح واللهو متاح لكل إمرأة طالما ليس محجبة، وما يحدث دائما هو أننا نجد الشواطئ المتحررة والخاصة ممتلئة بالسيدات والرجال داخل البحر، أما تلك الشواطئ التي يمكن وصفها بالمعتدلة أو العامة فنجد الرجال والأطفال في البحر أما السيدات فيجلسن على الشاطئ أو يكتفين بملامسة مياه البحر بأقدامهن أو حتى نزول البحر بملابسهن كاملة.

والمشكلة أننا نفتقد في مصر (مجتمع السيدات) على الطريقة الإسلامية ففي بعض البلدان العربية الأخرى، ولاسيما دول الخليج نجد أن هناك أماكن خاصة للسيدات، فالأفراح أو الأعراس غير المختلطة التي ينفصل فيها الرجال عن النساء، تعد فرصة لظهور السيدات بكامل زينتهن وتمتعهن بالغناء والرقص واللهو المباح بعيدا عن أعين الرجال.

وليس بعيدا ما يحدث في دولة إيران التي تتمسك بالشريعة الإسلامية فهناك بعض النوادي وأماكن ممارسة الرياضية بل والمسابقات الرياضية المتكاملة التي تنظم للتنافس بين السيدات.... الأمر الذي نحتاج إليه بشدة في مجتمعاتنا العربية ليخرجنا من مأزق الاختيارين الذي لا ثالث لهما.... إما أن تتمتع المرأة بحياتها كما يحلو لها ضاربة بعرض الحائط الشريعة الإسلامية، وإما التقوقع والاكتفاء بدور المتفرج وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية وهو حق اللهو والترفيه المباح.

والحقيقة أنه قد ظهر مؤخرا داخل المجتمع المصري مجتمعا خاصا بالسيدات، ولاسيما من المحجبات... ومن مظاهر ذلك ظهور الأفراح الإسلامية المنفصلة التي تقام في بعض الفنادق الكبرى، وذلك بتأجير قاعتين منفصلتين حيث ترتدي جميع السيدات بما فيهن العروس أجمل الملابس وبيدين بكامل أناقتهن حيث لا يراهن الرجال.

كما اعتادت بعض المجموعات من المحجبات التجمع لقضاء يوم بأحدي الفيلات سواء التي تملكها إحداهن أو المؤجرة والتمتع بقضاء يوم حول حمام السباحة أو الاكتفاء بقضاء ساعات في حمامات السباحة بأحد الأندية الكبرى والتي لا تخصص حماما للسيدات، ولكن غالبا ما تكتفي بتخصيص عدد قليل من الساعات في أيام محددة من الأسبوع للسيدات.

وقد قالت لي إحدى الصديقات وكانت غير محجبة أنها تتاح لها الفرصة في النزول إلى البحر والبحيرة في مارينا، إلا أن هذا الوضع أكثر راحة وأكثر حرية.

وقد سمعت أحد الآراء الطريفة من الجنس الآخر، حيث قال لي صديق أن الفكرة تروقه بشدة فهي متنفس محترم للنساء، وعلى الرغم من بعض التجاوزات التي قد يجدها البعض نوعا من الخلاعة كالرقص بملابس البحر، إلا أن هؤلاء الفتيات معذورات... فهذه المحجبة قد يكون لها زميلة غير محجبة في نفس عمرها وتفعل نفس هذه الأشياء لكن في الشواطئ الأخرى الراقية التي تسمح بالاختلاط... فكيف نلوم المحجبة التي تفعل ذلك وسط النساء؟؟

وقد قالت لي صديقة أخرى محجبة أنها بعدما سمعت عما يحدث داخل بعض هذه الشواطئ من تعري زائد ورقص وغيرها ... كونت فكرة سيئة عنها لأنها ببساطة لم تحقق الهدف من إنشاءها فبدلا من إيجاد بديل إسلامي راقي للشواطئ المختلطة أوجدت شاطئ قد تحدث به أشياء ضد الشرع ... لذلك "فلن أذهب إليه إلا بدافع واحد وهو الفضول". وللأسف فإن البعض يجهل أن عورة المرأة على الرجل مجمل الجسد ما عدا الوجه والكفين، أما عورة المرأة على المرأة فهي ما بين السُرة والركبتين، والإسلام حريص على الحفاظ علي حدود الأدب والحشمة حتى عند اختلاط النساء بعضهن ببعض أو أمام الأطفال... ولا تنسي المرأة أن بإظهار مفاتنها الشديدة أمام الأخريات تفتح على نفسها بابا لوقوع الغيرة في نفوس الأخريات.

وبشكل عام فإن ارتداء الحجاب لا يعني أبدا الحرمان من التمتع بمياه البحر فهي متعة مشروعة كما أنها نوع من أنواع الرياضة وتجديد النشاط وما يسببه ذلك من راحة للنفس، وهذا حق من حقوق المرأة ، وانتشار هذه الشواطئ يدل على نظرة احترام وتقدير للمرأة المحجبة ولاحتياجاتها، كما أننا نري بعض المحجبات يلجأن بدلا من ذلك إلى النزول إلى البحر بملابسهم الكاملة وهو مظهر غير لائق .

وبشكل عام فإن ظهور مثل هذه الشواطئ يعد متنفسا للمرأة وناقوس خطر يحذر المجتمع من مخاطر الاختلاط بلا وعي ولا حساب.

السبت، 2 أغسطس 2008

حمار جحا

ركب جحا حماره يومًا وسار وولده بجانبه، فصاح الناس قائلين (ياللأب القاسي!)، حاول إرضاء الناس؛ فأركب ولده مكانه، فمرت جماعة قائلة ( يا للابن العاق!)، فركبا معًا فمر قوم فقالوا ( يا لقسوة الإنسان على الحيوان!) ...فسار الاثنان بجانب حمارهما، فأشار جمع آخر ( يا لسذاجة جحا وولده، يمشيان والحمار بجانبهما) فما كان من جحا إلا أن حمل الحمار على كتفيه وسار وسط الناس! فهل رضي الناس؟! هذا ما لم تجب عنه القصة (العربية) الشهيرة، والإجابة معروفة وهي أن (الناس لم ترضَ) مهما فعل جحا. لكن هذه القصة بتفاصيلها مازلنا نحياها داخل مجتمعاتنا العربية في اليوم ألف مرة. فالبعض قبل أن يخطو الخطوة يتساءل عن رد فعل الآخرين، وقبل أن يتكلم يحسب حساب الآخرين.

وفى مجتمعاتنا العربية أيضًا نحب أن نعرف أخبار من حولنا ...جيراننا، أقاربنا، زملاء العمل... كيف يعيشون، كم ينفقون، أين يذهبون، ماذا يأكلون ومتى ينامون؟ فإذا كانوا على ما يرام نجد البعض يتمنى زوال النعمة عن الآخرين، أما إذا لم يعجبنا حالهم تحولنا إلى شامتين.
حدثتني إحدى صديقاتي قائلة (تزوجت من شاب ممتاز بكل المقاييس، وبارك الجميع الزفاف السعيد، ولكن ظل هناك أمر أخفاه أبى وأمي عن باقي أفراد العائلة (إلا المقربون) فالعريس له ابنه من زيجة سابقة، ورغم موافقتي على هذه الظروف التي لا أراها- أنا أو أسرتي- عيبًا أو حرامًا، فقد أخفينا ذلك عن الأقارب، فرغم انتماء أسرتي لطبقة اجتماعية راقية، إلا أنهم فضلوا إخفاء هذه المعلومة حفاظًا على صورتهم وكرامتهم ولتجنب كلام الآخرين، أو على الأقل نظراتهم التي ستطاردنا بمائة سؤال وسؤال، لماذا فشل زوجي في زيجته الأولى ولماذا رضيت به؟ أما عن نفسي، فالقليلات من صديقاتي هن من يعرفن هذه الحقيقة، فلست مستعدة لأن أرى نظراتهن، ولسان الحال يقول كبرت في السن ورضيت بأي عريس والسلام!).

أما الصديقة الأخرى والتي تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية الكبرى، أخبرتني أنه كان يفرض عليها عملها أحيانًا العودة قرب منتصف الليل، ورغم موافقة زوجها وتفهمه الكامل لطبيعة عملها، ورغم التزامها بالمظهر الإسلامي الوقور، إلا أنها تقسم بأنها كانت تخشى من نظرات الجيران، بل وحارس الأمن في البناية التي تقطن بها، ليس خوفًا كما تقول، ولكن لأنها لا تريد أن تشعر أدنى شعور بأن هناك من لدية أية علامات استفهام حول عملها وحياتها بل وعلاقتها بزوجها.

والحقيقة أن هناك ميراثًا ثقيلا من الخوف من الآخر، وهو الشعور الذي لم يولد من فراغ أو بلا سبب، فقد بات من المعتاد أن يتدخل كل فرد فيما لا يعنيه ويدس أنفه في حياة الآخرين بلا استئذان. وبدلاً من مراجعة نفسه وتصرفاته ونقد ذاته فإنه يتحول إلى حياة الآخرين ليقيمها ويفرض أحكام مسبقة عليهم، سواء كان قريبًا أو غريبًا، وكلنا يعرف قصة كل امرأة لم يوفقها حظها في زواجها، فأصبحت توصم بوصمة العار الشهيرة (المطلقة)، وسط مجتمع لا يرحم وينظر إلى ذنبها - مهما كانت معاناتها مع زوجها السابق- على أنه ذنب لا يغتفر، فتصبح امرأة سيئة السمعة وتوضع تحت عدسات مكبرة، بل إن هذا الاتهام يتسع ليشمل جميع النساء غير المتزوجات بما فيهن الأرامل.

تقول إحدى الصديقات في حديث مضحك ومبكٍ (ما أن يأتي مولود جديد في الأسرة إلا ويصبح الجميع أطباء، والكل يفتي بعلم أو بغير علم حول تربية الطفل ورضاعته وصحته! فالكل يتدخل بداعٍ أو بلا داعٍ في كل أمور حياتك. فأحيانًا أقابل نساءً من عائلتي أو من عائلة زوجي لأول مرة ويسألن "لماذا لا أجتهد وأنجب أخًا لابني؟" وما هي وسيلة منع الحمل التي أستخدمها؟! فأتعجب وأشعر أننا سنظل متخلفين إلى الأبد).

و هناك صورة أخرى نعرفها وتحدث عند زفاف أحد أفراد أية عائلة، فسرعان ما تتحول كلمات التهنئة بعد مرور أسابيع قليلة من الزفاف إلى تساؤل في أعين الجميع وعلى ألسنتهم حول سبب تأخر الإنجاب، الأمر الذي قد يحول حياة أي عروسين إلى جحيم لا يطاق، بل إن الزوجة أحيانًا ما تنسى فرحتها الحقيقية بحدوث الحمل في خضم الفرحة الأكبر بإثبات أنوثتها وقدرتها على إسكات ألسنة الآخرين.
وكم رأينا شبابنا في آلاف البيوت يتقاتلون من أجل الحصول على أعلى الدرجات في (الثانوية العامة) من أجل ماذا؟ من أجل اللحاق بالسباق المحموم والقبول بكليات القمة، فإن لم تكن طبيبًا أو مهندسًا فما قيمتك في المجتمع؟ وبغض النظر عما تتمناه فعليًّا لنفسك فلا تستطيع أن تنكر أن كل أب يقول (ابني ليس أقل من ابن الجيران)!
و للأسف فإن الأفكار المسبقة تتحكم فينا دون أدنى مراجعة من جانبنا، فنحن نريد أن نرضي الآخرين، أو نخاف من كلام الآخرين، بل ونقوم- بأنفسنا – بوضع أنفسنا وأبنائنا موضع مقارنة دائمة بالأهل والأصدقاء، وهذه المقارنات كلنا يعرفها، فقد تربينا عليها، وبالرغم مما كتبه ( أنجليو باتري) في مجال تربية الطفل أنه (ليس من أحد تعس كالذي يصبو إلى أن يكون غير نفسه وغير جسده وتفكيره)!
إلا أننا نصر على أن نكن نحن وأولادنا أتعس التعساء. فلم نتعود منذ نعومة أظافرنا أن نكن نحن أنفسنا. وهكذا فرغباتنا الحقيقية في الحياة يحددها رأي الآخرين فيها، وهكذا تضيع من بين أيدينا فرص كثيرة وتذهب رغباتنا وأحلامنا هباء لإرضاء الآخرين، بل ونعذب أنفسنا باحثين عن وهم اسمه (شكلنا وسط الناس!)، وما ميلنا المفرط للاهتمام بالمظاهر الخادعة والجوفاء ، وما الأعراس التي تتكلف عشرات ومئات آلاف إلا نوع من إرضاء الآخر، أو بمعنى أصح نفاق الآخر.

وأحيانًا تفوق
قوة العادات والتقاليد قوة الدين؛ حيث حدثني صديق قائلا " هل تعرفين لماذا لا تنتشر عادة شرب الخمر بين أفراد مجتمعنا؟ " قلت السبب واضح فنحن شعوب متدينة والخمر من كبائر الأمور، فقال بل هي قوة العادات والخوف من نظرة المجتمع؛ والدليل أن تدخين السجائر ينتشر بشكل قاتل في الشارع العربي رغم الفتاوى المتعددة بتحريم الدخان، والجميع يدخنون في كل مكان وزمان، بل ونتفوق في ذلك على المجتمعات الغربية. فالأخلاق والقيم الدينية الحقيقية قد لا تتبع أحيانًا إلا إرضاءَ الآخرين.

و الدين قد ينجح في القضاء على العادات السيئة، وذلك إذا وجد فعليًّا وتمكن من القلوب، والذي يحدث من سلوكيات سلبية للبعض مرجعه أن الدين لم يدخل في قلوبهم، فإن استحكم الإيمان في القلوب فتأثرت به يصبح قويًّا للغاية. والدليل ما فعله الصحابة عندما نزلت الآية الفاصلة التي حرمت الخمر تحريمًا نهائيًّا، فبالرغم أن شرب الخمر كان متغلغلاً في المجتمع حينذاك، وبالرغم من متاجرة بعض الصحابة فيه وتكسبهم منه قبل الإسلام إلا أنهم أسرعوا بسكب كل ما لديهم من خمر حتى امتلأت طرقات المدينة بها فقالوا (انتهينا!)، فالمشكلة إذن ليست في قوة العادات، بل في ضعف الإيمان ... لذلك فمراقبة النفس يجب أن تكون بديلاً عن (مراقبة الغير) فعلى الفرد أن يستشعر عظمة الخالق وأن الله يعلم سره ونجواه فيعظم حرماته ويخشى غضبه فيضبط جوارحه. ويقول الله تعالى في كتابة العزيز (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون). كما أن لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولًا شهيرًا هو (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا). أما عن وصف الله لأتباع النبي في كتابه العزيز: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) فالأمر بالمعروف يختلف عن استباحه التدخل في شئون الغير فبين الاثنين خط فاصل، فواجب النصح في الإسلام يشترط فيه (إرادة الخير للآخر) ويحدده الشرع بالآداب المتعارف عليها (بالحكمة والموعظة الحسنة)؛ أي إنني إذا ما رأيت أخي غافلًا عن خير يناله في دنياه وأخراه أو واقع في ذنب ما، فهنا واجب النصح والتذكير، كما أن من أهم آدابه هو أن يكون على انفراد حتى لا نتسبب في الإحراج للآخرين.
وقد قال الإمام الشافعي في هذا المعنى شعرا.....
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس لون من التوبيخ لم أرضَ استماعه

وإن كان هذا هو حال مجتمعاتنا العربية فيبقى سؤال ملح هو: هل العيب فينا أم في المجتمع؟ ولماذا يخلق كل منا للآخر جحيمًا يكتوي فيه، وأين المفر؟
إن لكل مجتمع عاداته وتقاليده التي قد يكون البعض منها سلبيًّا والآخر إيجابيًّا. وفي مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص نجد أن كلاً منا منشغل بالآخر، كما تبيح الجماعة لنفسها التدخل في حياة الفرد وقراراته.
وهذه العادة تبدأ منذ الطفولة، فالتنشئة الاجتماعية تقوم على نوع من الديكتاتورية، فالأب والأم يحددان تحركات الأبناء ويكون ذلك من خلالهما فقط، وينمو هذا الإحساس رويدًا رويدًا وتدعمه باقي مؤسسات المجتمع من تعليم ووسائل إعلام، فالتعليم تلقيني وحتى الرئيس في العمل يضع في يده كل المسئوليات والسلطات؛ لذلك فنحن نفتقد الديمقراطية الحقيقية والقدرة على اتخاذ القرار في الحياة الاجتماعية والأسرية كما هو الحال في واقعنا السياسي، وتكون النتيجة هي الشعور (بالقهر).

أننا نربي أطفالنا على تقليد الآخر ومقارنة سلوكهم بسلوك الآخرين. والطفل الذي تربى بهذا الأسلوب سوف يعاني بالضرورة من فقدان الثقة بالنفس والإحساس بالذات وعندما يتولى مسئولياته في المستقبل كرئيس في العمل أو كرب لأسرة، فإنه يشبع رغباته الدفينة في التسلط على الآخرين. لذلك فلا نجد في مجتمعاتنا الشخصية المبتكرة والمبدعة والواثقة في مواهبها وقدراتها؛ مما يفقدنا الإحساس بالأمان ويدخلنا في دائرة مفرغة من سلوك سلبي ونتائج أكثر سلبية. يضاف إلى ذلك (الفراغ) الذي نحياه في العالم العربي فبالرغم من شعورنا الدائم بالانشغال في السعي وراء طلب الرزق، إلا أن هذا وحده لا يملأ الخواء الذهني والنفسي لدينا، فلا وقت للهوايات وخلق الأفكار أو تعدد الاهتمامات. ففي الدول الغربية على سبيل المثال يمكن للفرد العادي أن يمارس أنشطة متعددة بجانب عمله الأساسي، فمن الممكن أن يقوم بطلاء بيته بنفسه إن رغب في ذلك لأن إمكانات متاحة أمامه لفعل ما يريده، أما في عالمنا العربي فالمهن المعاونة كثيرة والاعتماد على الآخرين أساسي في حياتنا فليس هناك مجال للابتكار أو التجديد.

و(المرأة) في مجتمعاتنا هي أولى ضحايا هذا الفراغ وهذا القهر وللأسف بالرغم من خروج المرأة للعمل فإن حالة الفراغ العقلي لم تنتهِ؛ لأنها تواجه ظروفًا ضاغطة وأنواعًا من القهر على كل المستويات، وشعور الفرد الدائم بالقهر وعدم الأمان وفقدان الثقة والقدرة على الاختيار قد يدفعه للانشغال بأحوال الآخرين ونقدهم ربما لملء الفراغ أو كنوع من التعويض عن السلبيات الذاتية (وليثبت لنفسه أنه الأفضل). ولا نستطيع أن نلوم أي فرد يعمل حسابًا لكلام وآراء الآخرين أو أن نصفه بالجبن لأن المجتمع أحيانًا يجعلنا عبيدًا للتقاليد.

و عادة مراقبة الآخر والخوف الشديد على الصورة الذاتية أمام المجتمع لم يسلم منها الأفراد حتى في الطبقات الاجتماعية الراقية، فعلى العكس ففي هذه الطبقات توجد حرب مستترة، فحفلات الزفاف المبالغ فيها وسرادقات العزاء التي تحولت إلى ما يشبه الاحتفالات خير مثال على ذلك. وللأسف فإن هذا التفوق الذي يسعى الفرد لإثباته ليس تفوقًا علميًّا أو عمليًّا بل (مظهريًّا) وهو الأمر الذي أصبح شائعًا بطريقة مرضية في مجتمعنا المعاصر