السبت، 24 ديسمبر 2011

الباحثات عن الحرية والعدالة !

هل تعرف ما هي أسماء الأفلام بعد فوزالإخوان والسلفيين في الانتخابات؟

أيوه..الأخ عمر والأخت سلمى، جعلتني علمانياً، لا يا من كنت ليبرالي...

وهل تعرف ما مصير المخرجة إيناس الدغيدي إذا تحقق هذا الفوز؟؟

طبعا ستقوم بإخراج فيلم "الباحثات عن الحرية" والعدالة

هذه النكات أنتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً..تبادلها الشباب وتعالت ضحكاتهم في وقت "شح" فيه الضحك...بينما تعجب البعض من قدرة المصري المذهلة على سرعة خلق النكتة العبقرية و"المحبوكة" بدهاء..

لم يمر وقت حتى قام بعض الشباب الغيور على دينه وبإخلاص بالتحذير من نشر أوالإسهام في نشر أو ربما حتى الضحك على هذه النكات، فهي تسخر من المسلمين وتسيئ للإسلام..

لم تكد الانتخابات البرلمانية تبدأ وهاهي مساوئ خلط الدين بالسياسة تبدو جلية كالشمس لعين كل من ينكر مغبة هذا الخلط..فكل فرد يسعى للعمل العام يصبح تحت المجهرويتحمل أحياناً النقد والتعقيب على أفعاله ومن ذلك "النكتة" كشكل من أشكال النقد طالما لم يتعد الحدود المعقولة..أما إذا كان عدم قبوله لذلك من باب أن من ينتقده ينتقد الدين ذاته، فهذه نتيجة خاطئة بُنيت على مقدمات ومعطيات خاطئة.

والنكتة في تعريفها هي عبارة تحوي قصة.. قصيرة كالكبسولة صادمة كالكرباج، أما سبب نشأتها ومبرر وجودها فهي سلاح للضعفاء في وجه السلطة، نعم النكتة سلاح الضعفاء الذين لا يملكون إلا عبقرية تسخر من الأحوال التي لا ترضيهم ولكنهم لا يملكون مايفعلونه بشأنها..

والنكتة إن كان يفترض لها أن تزدهر في أوقات قمع الحريات، إلا أن الحال في مصر بعد الثورة أفرز عدد غير مسبوق من الطرائف بداية من "الراجل اللي ورا عمر سليمان"..

النكتة سلاح المصري في كل وقت..والمصري إن لم يجد مايضحك عليه فهو يضحك على نفسه ..

لكن لماذا ينفر البعض من الحكم الديني في بلد يضع الدين كأولوية في حياته "أو هكذا يقال"، هل لأن البعض يتصوّر أن مصر وثنية وسيقوم هذا الحكم بنشر الإسلام فيها للمرة الأولى؟؟

لسنا بصدد مناقشة مصطلحات كالليبرالية والديموقراطية وغيرها، ولا مناقشة ما يسمى بالحكم الديني أواللاهوتي كما أطلق عليه معتز عبد الفتاح ،حيث يرى ان هذا المصطلح أقرب للدقة من مصطلح الحكم الإسلامي الذي يضع الإسلام دون مكانته..

لماذا ينفر البعض من الحكم الديني إن صح التعبير في مجتمع متدين؟

أولا: بالنسبة للمواطن المصري الذي لا يهتم بتاريخ الحركات أو بالمصطلحات والذي يحصل على ثقافته من خلال برامج التوك شو سمع أن السياسة لعبة ..السياسة في تعريفهاهي فن الممكن .. الموائمة، فهي لعبة، فهل هي لعبة نظيفة للدرجة التي لن يتلوث معها الدين إذا اختلطا معاً؟ أحيانا يقال أنها لعبة قذرة (مع تحفظي على هذا التعبير حيث أن كل شيئ يمكن أن يمارس بشكل نزيه). أما الدين فشيئ راق وثابت لا يستحسن ربطه بشيئ هو في أحسن الظروف متغير ونسبي مثل الممارسات السياسية..

ثانيا: الدين إعتقاد داخل قلب الإنسان، أحيانا لا ينبغي أن يطالعه الآخرون، أما أن تنصّب نفسك قيّماً فيصبح كل من يؤيدك سياسياً هو مؤيد للإسلام وكل من ينتقدك هو خارج عن الدين، فذلك ابتزاز ولا شك.

ثالثا: لللإعلام دور في هذا الكم الهائل من الحوارات الدائرة بين جميع الأطراف.. والاحتفاء بكل صوت متشدد واستضافته لسؤاله عن سياساته التي ستُصلح احوال مصر(وكأن مصر سيحكمها صوت واحد يحدد سياساتها باستبداد )، وإذا كانت هذه السياسات تفضل البيكيني على غيره من الملابس..وما إلى ذلك من موضوعات أقل ما يقال عنها أنها جانبية للغاية وليست ذات أهمية لكن أغرقنا فيها الإعلام من أجل "الشو" وجذب الجمهوروالإعلانات ، وأسهم بذلك في تشويش الرأي العام..ولا أعني بذلك أن الأعلام لا يجب أن يبرز هذه الآراء..فالإعلام الحر يعطي حق التعبير للجميع لكن بشكل رشيد يفيد الجمهور ولا يدخله في قضايا فرعية ..

أما عن الأصوات المنتمية للفكر السلفي على وجه الخصوص، فهي أصوات تم قمعها لسنوات بل وتشويهها من خلال الدراما، وتعرضت للقمع الفكري من قِبَل النظام السابق فأصبح المنتمين لهذا التيار مثل الخارج من القمقم ويرى النور للمرة الأولى فهويجري يمينا ويسارا بهدف أو بغير هدف، وله الحق أو العذر في ذلك..

وتلك هي رابعا: الاستفزاز.. فقد تم استفزاز الجماهير ببعض اللآراء التي تعلن أن الثورة حرام، الديموقراطية حرام، والانتخابات "بالمرة "حرام...كل ده حرام؟!

طالما الأمر كذلك فلتبتعدوا عن تلك اللعبة.. أو فلتلعبوها بتسامح وبدون تكفيرالآخر..وإذا اخترتم هذه اللعبة ونيتكم صافية لوجه الله ولإصلاح الوطن ورفعة الدين،فلماذا لم تُظهروا ذلك في تصريحاتكم؟؟ لماذا الإصرار على تشويه صورة المنافسين وتزييف وعي الجهلاء بتقديم كل من يخالفكم على أنه الكافروأنتم المسلمون؟

لماذا أصررتم على الدعاية أمام اللجان ورشوة الناخبين، وللأسف يستجيب لكم البعض، رغم أنه كما يقال فإن من أغراك بالمال لاختياره أغلب الظن أنه سيحرص على إبقاءك في حاجة لهذا المال حتى يشتري صوتك مجددا بعد سنوات.

وإن كانت قوى أخرى قد فعلت مثلكم (وأبرزها الكتلة المصرية التي قامت بهذه التجاوزات أيضاً)، إلا أن الأحرى بكم أنتم المتحدثون باسم الدين أن تبتعدوا عن هذه الممارسات..أليست الرشوة حرام؟ أليست مخالفة القانون حرام ؟؟ لماذا المسارعة بإظهار نشوة الانتصار سواء فيما يتعلق بمؤشرات نتائج الانتخابات أو غيرها من المواقف؟ هل االتباهي بالنصر – إن جاز التعبير – من الدين؟

لماذا لم يطلع علينا أحدكم ليتحدث عن برنامجه في تنفيذ الشريعة الإسلاميه وما يقتضيه ذلك من القضاء على سلبيات المجتمع وعلى رأسها الفساد والنفاق والرشوة والمحسوبية؟ لماذا لم تتحدثوا عن نيتكم الحاسمة في معالجة مشكلة البطء في إجراءات التقاضي وما يترتب على ذلك من ضياع حقوق العباد؟

لماذا لم تظهر لنا خطتكم للتخلص من القمامة والقضاء على ظاهرة القذارة ومحاربة سلوك التبول في الشوارع والطرقات؟ لماذا لن تعلنوا عن نيتكم في تشجير الشوارع وتجميلها بما يليق مع قيمة الجمال في الإسلام والاحتفاء ببديع خلق الله؟ ماذا عن المحافظة على نهر النيل من التلوث وهي فضيلة إسلامية غائبة، ماهي خططكم لحل مشكلة المرور والتكدس الذي قد يمنع شخصاً مريضاً من الوصول للمستشفى في الوقت المناسب فيموت بلا ثمن..أليست هذه ضرورة شرعية؟

لماذا لم تعلنوا عن خطة لرعاية أطفال الشوارع وتشغيل المتسولين؟ ماذا عن سن قانون حازم للرفق بالحيوان؟ ولماذا لم تعلنوا عن قانون حظر "التكشير" تصديقاً لقوله (ص) "تبسمك في وجه أخيك صدقة"؟

وعند كتابتي لهذه الكلمات لمحت على شاشة أون تي في مرشح الكتلة المصرية د.عماد جاد، ومعه المتحدث باسم حزب النور السلفي أستاذ محمد نور في حوار سياسي، وقد التفتت له رغماً عني ولمحت في كلامه رؤية وسطية عقلانية بدون نفاق أو تخلي عن مبادئ حزبه المعلنة..فهل تسفر الأيام القادمة عن أمل في مستقبل أفضل؟ هل تصبح الأمور مستقبلاً عكس كل توقعاتنا؟ وهل تفرز الممارسة الحقيقية للديموقراطية أفضل ما في المصريين بجميع توجهاتهم؟

الاثنين، 4 يوليو 2011

بعد أحداث امبابة الدامية... السؤال مجددا: هل المرأة كائن مقدس والرجل كائن مُدنّس؟!


كتبت في 2010 مقالا بعنوان" هل المرأة كائن مقدس والرجل كائن مدنس؟"، وتناولت فيه قضية المرأة، وتساءلت ما هي قضية المرأة؟ ولماذا للمرأة قضية، ولماذا لا نسمع عن قضية الرجل؟ وقضية الطفل وقضية الشيخ المسن؟!

وكتبت عن الرأي الذي لا يعترف بالقضية، معتمدا على حجته الجاهزة دوماً والمضحكة أحياناً، وهي أن التشريعات التي صدرت في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة قد (أعطت) للمرأة حقوقاً لم يسبق لها مثيل، لدرجة أنه أصبح يستوجب على الرجل البحث عن حقوقه والمطالبة (بمساواته) بالمرأة!

ورغم أن الإسلام قد كرم المرأة، إلا أن المجتمع لا يعترف أحياناً بذلك.. فهناك نظرة متدنية للمرأة وكأنها كائن فضائي يتعجب الرجال من وجوده معهم في الحياة، أو كأنها "عالة" على المجتمع بالرغم من أن المرأة في مصر هي ذاتها من تعول زوجها العاطل غالبا.. ناهيك عن صورة المرأة في الإعلانات، فهي رمزاً للفتنة، هذا غير الإعلانات التي تبرز دور البشرة وبياضها في الحصول على وظيفة، وهو إعلان انتقدته منظمات حقوق الإنسان عندما عُرض في الهند لإساءته لأصحاب البشرة السمراء، وهو في الحقيقة يسيء للمرأة والبشر. وبعدما هزت إعلانات مساحيق الغسيل صورة الشعب المصري أمام نفسه بإظهاره كمتسول للجنيهات الذهبية، جاء البعض الآخر ليربط مفهوم الشرف بنصاعة الملابس "نضافة تشرّف"!

فهل الشرف يُختذل في درجة بياض الجلابية؟!

وما دفعني لوضع هذا التساؤل كعنوان للمقال "هل المرأة كائن مقدس؟"، هو النظرة إلى المرأة في الشارع المصري، فعندما كنت أنظر إلى "خناقات الشوارع" بين الجهلاء كنت أجد أن السباب الذي يتعلق بالأم هو الأكثر جرحاً للكرامة!! وإذا حاولت أن أعرف السبب، أجد من يقول أن ذلك يرجع لكون (الأم) رمزا مقدسا!!!

لكن هل يتم التعامل مع المرأة في الشارع المصري كرمز مقدس؟؟ وهل يعني ذلك أن الرجل كائن مُدنّس؟!!

دارت كل هذه الأفكار بذهني عندما تابعت قصة "عبير" التي أشهرت إسلامها وأثارت فتنة مؤخرا ، سواء كان ذلك قد تم عن اقتناع أو للهروب من زوجها، لا أحد يعرف بالنوايا إلا الله، وإن كان الخطأ هنا يكمن في زواجها بغير حصولها على الطلاق من زوجها الأول...لكن ما فجر الأحداث هو احتجازها في إحدى الكنائس، ثم تصعيد المشاعر الدينية من جانب بعض المتشددين والمناداة بتحريرأختهم (متناسين أخوات يتعرضن للظلم ولأسباب متنوعة)، ثم القبض عليها بتهمة " تكدير" الأمن العام!!

تعالت الأصوات لتلعن عبير التي أشعلت مصر، هنا أيضا قد اتهموها ضمنيا بـ " تكدير" صفو حياتهم وما كانوا يعيشونه من سعادة واستقرار!

أحمد آدم في برنامجه -الذي أتابعه لإعجابي به- لم يسعه سوى السخرية من عبير والتعجب من إقبال رجلين على الزواج منها رغم قلة نصيبها من الجمال من وجهة نظره وكما جاء في سياق حديثه الذي حزنت لسماعه ..

الشيخ سالم محمد سالم عضو لجنة الإشهار بالأزهر، والذي استضافه إبراهيم عيسى في برنامجه "في الميدان" على قناة التحرير، قال أن الإسلام ليس بحاجه لمزيدا من المسلمين إسما، وأنه من الأولى أن يشهر بعض المسلمين "بالميلاد" إسلامهم بتبني سلوكيات الإسلام..ولكنه فاجئنا بالتعليمات التي كانت تأتيه من أمن الدولة بعدم قبول إسلام البعض منعا للمشاكل.. معلقا على ذلك بقوله أن المشاكل عادة تأتي من الستات.. " الستات مشاكلهم كتير"! وهو ما ردده البعض أيضا من أنه عند إسلام أو تنصر الشباب قد يمر الأمر، وعندما يتعلق الأمر بسيدة تقوم الدنيا وتصبح قضية شرف وتكدير للمواطنين، ولا أعرف لماذا كلما سمعت تهمة " التكدير" أشعر أن المقصود بها " تعكير" مزاج الشعب على أساس أننا شعب صاحب مزاج!

لكن لماذا تتسبب حرية العقيدة في تكديرأو (بالبلدي) تعكير المزاج العام، وإلى متى يقودنا المزاج إلى كوارث أبسطها التعدي على حرية سيدة والتقليل من شأنها فداء لسياسة القطيع ؟ وهل قامت الثورة إلا لتحرير المواطن؟ لا أريد أن يساء فهم وجهة نظري على أنها تعصبا لأصحاب ديانة بعينها، بل الأمر يتعلق بالمبدأ وهو أن الدين بين الفرد وربه، بغض النظر عن اتهام البعض لمغيري الديانة بالتلاعب من أجل المصلحة الشخصية فهذه قضية أخرى.

أجمل ما سمعت كان في قناة دريم في لقاء الدكتور نصر فريد واصل وأحد رجال الدين المسيحي الذي لا أعرف أسمه للأسف، وأحد الشباب المهتمين بحقوق الإنسان الذي لم أستطع أيضا معرفة أسمه حيث شاهدت جزءا قصيرا من الحلقة، تحدث القمص بأسى _أشاركه فيه_ حول كارثة التهجم على الكنائس وحرقها، (ولا أعرف كيف يتحدث الإعلام عن الجريمة بالمفهوم الديني وليس الجنائي فالجريمة لا تصنف بكونها دينية فهي جريمة إتلاف ممتلكات عامة)، واستنكر القمص ما يحدث لدور العبادة المسيحية، وكان تعليق الشاب الذي يعمل في مجال حقوق الإنسان -والذي أعتَذِر عن عدم معرفتي لأسمه رغم تقديري لرأيه- هو أنه لايمكن المطالبة بكف الأذى عن الكنائس كمطلب منفرد، فالجريمة حلقة في سلسلة انتهاك الحريات بدأت بإساءة معاملة الزوج لزوجته، ثم إقناع آخر لها بالفرار والزواج به، ثم ملاحقتها من جانب العائلة واحتجازها في الكنيسة، ثم لجوء المتشددين للتعدي على الكنيسة.

(تفوح من المسألة رائحة السيطرة الذكورية الأبوية على المجتمع على اعتبارأن المرأة تابعا للرجل يجب السيطرة عليه)، وأكد الضيف أنه يجب تجريم الاعتداء على الكنائس كما يجب إتاحة حرية العقيدة ومنع كل حلقة من حلقات السلسلة قبل أن تحدث.

تذكرت ردود الأفعال عند إعلان الإعلامية (بثينة كامل) ترشحها للرئاسة، ورغم وجود الكثير من المرشحين، إلا أن البعض قد قابل هذا الترشيح بالذات بالاستخفاف على أساس "هي ناقصاكي" ، وقد سمعت من أحد الشباب تعليقا غريبا " تبقى تشوف مين اللي هينتخبها " ، فهل اختزل الرأي العام بثينة كامل في كونها أنثى؟؟

عندما قامت الثورة شاركت المرأة الرجل، شاركت كل أم فقدت ولدها.. وكنت أعتقد أن ما حدث قد يغير تقييم الناس للأمور، كما نادى الأديب الدكتور يوسف زيدان بأهمية "تأنيث الثورة"، وتفعيل دور المرأة بعد هذا الحدث العظيم.

كنت قد ذكرت عند كتابتي للمقال الأول أنه إذا كان "جوزيف ناي" الأستاذ في جامعة هارفرد قد أشار إلى أن القرن العشرين هو قرن "أمريكا"، فهي سيدة العالم في كل المجالات، فإنه من كثرة ما سمعنا عن مصطلح (تمكين المرأة) أصبح لدينا انطباعا بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن المرأة . وإذا كانت أمريكا قد تسيدت العالم من خلال القوة الناعمة وهي قوة الثقافة .. فقوة المرأة أيضا مستترة من كثرة اعتياد النساء على إخفاء مقومات هذه القوة.

ومازلت أتساءل إذا كانت الأعوام المقبلة ستأتي بجديد، بعد أن رأينا أن الشهور التي عاشتها مصر بعد الثورة قد أثبتت أن مجرد قيام الثورة لا يعني تغيير المجتمع، فقد ثبت أن تغيير الحكومات أسهل كثيرا من تغيير المجتمعات.

الخميس، 7 أبريل 2011

عن معجزة الثورة والدستور ومعضلة المرور:

هل هذه هي حقا مصر؟؟

عشنا خلال الأسابيع القليلة الماضية حلما تحقق بشكل فاجئنا جميعا ...لم يكن أحد يتصور أن ينجح أفراد من الشعب .. خرجوا يحملون أرواحهم بين أيديهم ... بدون سلاح ...لا يملكون سوى حلم وأمل ...يطالبون بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية...ينجحون في هدم نظام كامل وفساد .... فقط بمظاهرات سلمية ....

إنها حقا معجزة مصرية !

كان الفساد السياسي قد نشر أياديه السوداء في كل ركن من أركان الدولة المصرية فأحبط المجتمع وأظهر أسوأ وأسود ما في الشخصية المصرية.

وخلال الأيام الماضية طالعتنا أخبار الفساد والفاسدين... وتصريحات بعض المسئولين " معقول كل الفساد ده كان موجود وإحنا مش عارفين ؟! " وكأنها معلومة جديدة غير متوقعة أو كأنهم يعيشون في بلد آخر !

كلنا كنا نعايش حال البلد، وكلنا أصابنا نفاذ الصبر واليأس، لم نتغير كثيرا بالثورة، أصبحنا فقط أكثر ايجابية ...ظهرت قوتنا الخفية التي خنقتها اللامبالاة أو اليأس أو الخوف...

نعم نحن نستطيع أن نفعل الكثير...

ومعظمنا يتمنى الآن أن يتم تنظيف مصر من الفساد، وإن كان التطهير الكامل أمر غير واقعي لأنه لا توجد مدينة فاضلة، ولكننا نتمنى على الأقل أن تتم المحاسبة وفتح الصندوق الأسود لمصر على حد قول محمد حسنين هيكل ، من أجل الشفافية والمحاسبة ، نتمنى أن تصبح العدالة والمساواة والاستقامة هي القيم الغالبة وليس العكس... وقبلها كلها يأتي الوعي.

وخلال الايام الماضية أيضا تحدث الشعب المصري في السياسة كما لم يتحدث بها من قبل...طبعا كنا دائما نتابع الأخبار أثناء الكوارث والأزمات السياسية والتي كان للعرب فيها النصيب الأكبر في السنوات الأخيرة..لكن كنا نتابع دون أن يتحرك فينا أو لنا ساكنا..

والآن ... نتحدث عن الدستور ومواده وتعديلاته، الإعلان الدستوري، والفترة الانتقالية والشرعية الثورية..ونشاهد طوابير طويلة يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

منذ عدة أيام أذاع برنامج العاشرة مساء لقطات أرشيفية مسجلة خلال الاستفتاء الذي تم على التعديلات الدستورية في عام 2007 لا أعرف إن كانت أذيعت وقتها أم مُنعت، حيث قالت -وببراءة شديدة- إحدى النساء المسنات ما معناه " نحن سنقول نعم لمبارك في كل شيئ ربما يرضى عنا ويخفض لنا الأسعار" ، وقال أحد المواطنين تعليقا على الاستفتاء" إحنا ما نعرفش الدستور من أم الخلول ! "

ربما هو نفس المواطن الآن يتصرف ببعض الايجابية حتى وإن كان على غير وعي كامل بما يحدث في مصر.

هل هذه هي حقا مصر؟

طبعا تشوب الصورة أشياء كثيرة لا تسر القلب، الفساد الذي زاد وغطى.. رفض البعض للثورة وعدم إدراكهم لما حدث في مصر.. تشدد البعض من مؤيدي الثورة وإعداد قوائم سوداء لوضع وصمة عار فوق جبين كل من لم يؤيد الثورة في بدايتها وخاصة من الفنانين، ورغم ما عاناه كل من ظل في ميدان التحرير ليحرر مصر ويقدم للجميع الحرية على طبق من فضة، ورغم دماء الشهداء الغالية، ورغم التصريحات المستفزة أوغير الواعية لبعض من هاجم الثورة، إلا أن كل الخوف كله من مطالبتنا بالديموقراطية وحق التعبير لنا فقط دون غيرنا، الخوف من الانشغال بقضايا فرعية بعيدا عن الموقف العظيم الذي تشهده مصر..

يشوب الصورة أيضا مشهد الفتنة الطائفية ومحاولة إشعال نيرانها ..يشوبها التعصب البغيض في كل الاتجاهات والتفتيش عن نوايا الآخرين..يشوبها استغلال الدين وقلة الوعي لفرض رأي بعينه أو لتحقيق مكاسب سياسية حتى وإن كانت مشروعة..

طبعا تشوب الصورة ما حدث للدكتور محمد البرادعي يوم الاستفتاء وتبرير البعض ذلك بأن الشعب لا يريده ! لا يريده فيقذفه بالحجارة بالله عليكم؟؟

من قال في الاستفتاء (نعم) يتهم الآخرين بالعمالة والخيانة ، ومن قال (لا) يتهم من خالفه الرأي بالانسياق غير الواع لحقيقة ما حدث في مصر بل وبالجهل والغباء، لكن هذه هي الديموقراطية وحرية إبداء الرأي، وإن كانت فئات كثيرة من المجتمع المصري تفتقد بالفعل الوعي والرؤية والعلم، فأملنا أن ينصلح الوضع قريبا وتدريجيا على أيدي من يملكون هذا الوعي وهذه الرؤية، حيث تزداد مسئولية هؤلاء مهما حاولوا التنصل منها..

صحيح النظام السابق روج للجهل وتغييب الوعي، الا أن الجهل ليس ذنب الجاهل وحده ، وقد سقط النظام الفاسد وعلى أحد ما تولي مسؤلية الإصلاح بعد أن تم هدم الصنم، سيتم ذلك فقط بالحوار الهادئ وليس بالتصادم وتبادل الاتهامات، بالعمل والنَفَس الطويل واستمرار النقاش السياسي الذي يشبه عصف الأفكار وبدون الدخول في صراع المصالح الذي لا ينتهي ، سيتم أيضا بالبعد عن اليأس الذي قد يصيب المثقف، بأن يكمل المثقف مشواره الذي بدأه بتفجير الثورة ودعم التغيير وكسر حاجز الخوف وسار وراءه الملايين من الذين آمنوا بما فعل ، عليه الآن ألا يترك أيدي الآخرين في منتصف الطريق بل يأخذ بيد الجميع بلا تكبر ولا تعالٍ ولا اتهام ولا استعلاء ولا استخفاف بالآخر.

من المشاهد الأخرى مشهد المظاهرات الفئوية والتي انقسمت حولها الآراء ، البعض يرى أن ضررها أكثر من نفعها في هذا التوقيت ، حيث تشكل جزءا من الثورة المضادة التي تحبط الثورة المصرية، بينما يرى آخرون أنه طالما فتحنا باب الحرية ، فللجميع حق التظاهر والتعبير والاعتراض وعلى الأقل هي رسالة لكل فاسد أن هناك من سيحاسبه يوما، لكن هناك شبه اتفاق على أهمية ضبط النفس وتغليب الصالح العام على الخاص في الوقت الراهن على الأقل ....

وإن كنت شخصيا متفقة مع ضرورة ضبط النفس، إلا أنني للحق لم أستطع أن أمنع نفسي من المطالبة بسرعة حل " معضلة " رغم أهميتها إلا أنها تبدو ثانوية بالنسبة لما يحدث في مصر الآن من حراك سياسي كبير..لكنها مشكلة عويصة أعتبرها مشكلة شخصية تؤرقني، وغالب الظن أنها تؤرق كل مصري ، ويؤمن البعض حتى من قبل الثورة أنها من صنع النظام السابق ليس بسبب انعدام الرؤية لدى هذا النظام أو (اللا نظام ! )، ولكن لأنه تعمد إلهاء المواطن بها لاستنزاف جهده ووقته ..

فالشئ المضحك أنه – وبسبب تفاقم الانفلات الأمني وانتشار البلطجة وترويع الإعلام المصري للآمنين وفرض ساعات طويلة جدا من حظر التجول – فقد لازمت المنزل لعدد من الأيام، وجاء الوقت لأخرج إلى الشارع وأنا متحمسة لأرى " مصر الجديدة " بعد بداية تباشير انتصار الثورة، والناس بالفعل قد بدا على وجوههم ظهور سمات جديدة لم تكن موجودة من قبل وكأننا قد استرددنا كرامتنا وأرضنا وثقتنا بنفسنا بعد أن كسرنا الخوف وأدرنا بلدنا أمنيا بجهود شعبية، وكان من فرط سذاجتي أنني توقعت أنني سأجد " الشوارع فاضية والمواصلات سهلة ! " طالما أن مصر قبل 25 يناير ليست كمصر بعد هذا التاريخ!!

وطبعا مصر هي مصر ، وإن تغير كل شيئ فيها فلن تتغير "الزحمة" في شوارع المدن الكبرى وعلى رأسها القاهرة..فلن تكن القاهرة هي القاهرة إذا خلت شوارعها من الزحام.

هي مشكلة عويصة من وجهة نظري ...ليس لأن حياتي خالية من المشكلات ولكن لأني شخصيا أراها من أكبر مشكلاتي ..

قد يقال " وماذا تعني مشكلة كهذه وسط أطنان من الفساد والجهل والمرض والفقر والاحتقان الطائفي ؟ "

سؤال وجيه ولكن فلنتذكر معا كم مريض أو مصاب في حالة حرجة قد لقى حتفه بسبب عدم التمكن من الوصول إلى مستشفى أو مكان علاج أو إنقاذ مناسب في اللحظة المناسبة.. وكم سيارة إسعاف أو مطافئ عرقلها زحام السير..

وإذا كانت الإجابة بأن أرقام الضحايا من تلك النوعية محدودة أو لا تهم أحدا مقارنة بضحايا المبيدات المسرطنة...فدعنا من هذا المثال ونطرح مثالا آخر ..

منذ أيام شاهدنا زحام صفوف أو " طوابير " المواطنين يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وكيف أن المواطن قد تكبد عناءا كبيرا في احتمال الزحام من أجل أداء واجب الإدلاء بالرأي.. وكيف أن بعض الشخصيات العامة لم تلتزم بالنظام أو الدور في "الطابور" بسبب انشغالها أو ضيقها بالانتظار بمعنى أصح، وقد ثار المواطنون على بعض هذه الحالات باستثناء في حالة رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف الذي استقبله ميدان التحرير استقبالا حافلا ورحب به أيضا المواطنون يوم الاستفتاء بلجنة مدرسة جمال عبد الناصر الذي توجه إليها للإدلاء بصوته، ونبع ذلك من حبهم للرجل وقبلها من إدراكهم لحقيقة إنشغاله بسبب الأعباء الكبيرة الملقاة على عاتق هذا المواطن والمسئول الشريف..كلنا يعلم كيف أن الانتظار بلا مبرر في الزحام يعرقل إنجاز الأعمال..وطبيعي أن نتحمل الزحام والانتظار الطويل في الأيام الاستثنائية..لكن هل يعقل أن تكون هذه هي القاعدة؟

ونحن نعلم جميعا ومعنا السيد رئيس الوزراء.. نعلم جيدا الشعور الذي ينتاب الإنسان عندما يخرج من منزله صباحا يملؤه التفاؤل والرغبة في العمل والإنجاز، وربما يقرر السير على قدميه للوصول في وقت أقصر لعمله.. فيواجه أخطار محدقة في شوارع غير مؤهلة لسير البشر بكرامة آمنين على حياتهم (القطط والكلاب أيضا تواجههم نفس الأخطار وتشهد الطرق السريعة والدائرية على ذلك)، أو يقرر أن يركب سيارته إن كانت لديه واحدة فيفقد أعصابه ويندم على شرائها ويقوم بحركات بهلوانية محترفة لمواصلة السير، أو ربما يركب إحدى وسائل المواصلات وعن هذه فحدث ولا حرج فليست المشكلة فقط فقد الأعصاب بل فقد الكرامة والتعرض للإيذاء النفس والمعنوي وربما الجسدي...

المهم أن النتائج متشابهة بدرجة أو بأخرى...فالنتيجة أنه سيفاجئ ( مع أنه معتاد على ذلك يوميا لكنه يوميا لديه أمل أن اليوم أفضل)..يفاجئ بزحام السير البغيض الكريه ، فيستعين بالله أولا، ثم يتذكر فضل الصبر، ثم يفقد صبره وقد يلعن الحكومة والبلد ونفسه، أو قد يتظاهر بأنه يستمع إلى الموسيقى أو الحديث في "المحمول" مخالفة لقانون المرور( ماهو ماجتش على دي )، ثم يدخل في دائرة الإحباط ويصاب بكل الآلام الجسدية والنفسية بل والعقلية ...ويصاب بالسأم ويكفر بقيمة الانتماء أحيانا...ثم يصل إلى وجهته في أضعاف الوقت اللازم لذلك في الدول المحترمة.. بعد كل هذا الضغط يصبح كإناء مغلق يكاد ينفجر من ضغط الماء المستمر في الغليان...ينفس عن نفسه بالاحتكاك والتصادم مع الآخرين الذي يبدأه في الشارع ويكمله في مقر العمل .. أو يكظم غيظه لمدة طويلة قبل أن ينتقل لإحدى المصحات النفسية .

على أقل تقدير تكون الخسائر هي أن يفقد الرغبة في النزول من المنزل للعمل أو تلقي العلم أو تنمية مواهبه وقدراته الذاتية أو أعماله التطوعية أو علاقاته الاجتماعية أو حتى لياقته البدنية ! ناهيك عن قضاء الاحتياجات أو المصالح الضرورية والعاجلة.

هنا إذن لا نتحدث عن أرقام صغيرة لضحايا الطرق، لكننا نتحدث عن مئات الآلاف من قتلى النفس والعزيمة بسبب سوء التخطيط..الميزة الوحيدة للزحام هي أن المواطن المصري قد تعلم الصبر واعتاد أن ينجز في الظروف الصعبة ، وبالتالي لا عجب أن يظهر نبوغ المصري عندما يعمل في الخارج حيث " الشوارع فاضية والمواصلات سهلة ! " ...

المشكلة ليست هامشية بل هي من أولويات تحقيق النهضة، وليست أبدا مستعصية على الحل، فتجارب الدول التي واجهت هذه المشكلة ليست ببعيدة عنا ...وقد أشار الخبير الهندسي المصري العالمي دكتور ممدوح حمزة لاستعداده لتقديم خطة كاملة لحل المشكلة، وليس وحده فمصر مليئة بالعقول والخبرات في تخطيط الطرق وتنظيم المرور،لكن من يستغل هذه العقول وهذه القدرات لإتاحة تنقل كريم وغير قاتل للمواطن المصري كبداية لإعادة كل ما هو جميل في الشخصية المصرية؟

فالشارع هو أول مكان يلتقي فيه المواطن بوطنه وبمواطني بلده وهو اللقاء الذي يؤثر على انتمائه لهذا الوطن ورؤيته ليومه ومستقبله.

عن معجزة الثورة والدستور ومعضلة المرور:

هل هذه هي حقا مصر؟؟

عشنا خلال الأسابيع القليلة الماضية حلما تحقق بشكل فاجئنا جميعا ...لم يكن أحد يتصور أن ينجح أفراد من الشعب .. خرجوا يحملون أرواحهم بين أيديهم ... بدون سلاح ...لا يملكون سوى حلم وأمل ...يطالبون بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية...ينجحون في هدم نظام كامل وفساد .... فقط بمظاهرات سلمية ....

إنها حقا معجزة مصرية !

كان الفساد السياسي قد نشر أياديه السوداء في كل ركن من أركان الدولة المصرية فأحبط المجتمع وأظهر أسوأ وأسود ما في الشخصية المصرية.

وخلال الأيام الماضية طالعتنا أخبار الفساد والفاسدين... وتصريحات بعض المسئولين " معقول كل الفساد ده كان موجود وإحنا مش عارفين ؟! " وكأنها معلومة جديدة غير متوقعة أو كأنهم يعيشون في بلد آخر !

كلنا كنا نعايش حال البلد، وكلنا أصابنا نفاذ الصبر واليأس، لم نتغير كثيرا بالثورة، أصبحنا فقط أكثر ايجابية ...ظهرت قوتنا الخفية التي خنقتها اللامبالاة أو اليأس أو الخوف...

نعم نحن نستطيع أن نفعل الكثير...

ومعظمنا يتمنى الآن أن يتم تنظيف مصر من الفساد، وإن كان التطهير الكامل أمر غير واقعي لأنه لا توجد مدينة فاضلة، ولكننا نتمنى على الأقل أن تتم المحاسبة وفتح الصندوق الأسود لمصر على حد قول محمد حسنين هيكل ، من أجل الشفافية والمحاسبة ، نتمنى أن تصبح العدالة والمساواة والاستقامة هي القيم الغالبة وليس العكس... وقبلها كلها يأتي الوعي.

وخلال الايام الماضية أيضا تحدث الشعب المصري في السياسة كما لم يتحدث بها من قبل...طبعا كنا دائما نتابع الأخبار أثناء الكوارث والأزمات السياسية والتي كان للعرب فيها النصيب الأكبر في السنوات الأخيرة..لكن كنا نتابع دون أن يتحرك فينا أو لنا ساكنا..

والآن ... نتحدث عن الدستور ومواده وتعديلاته، الإعلان الدستوري، والفترة الانتقالية والشرعية الثورية..ونشاهد طوابير طويلة يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

منذ عدة أيام أذاع برنامج العاشرة مساء لقطات أرشيفية مسجلة خلال الاستفتاء الذي تم على التعديلات الدستورية في عام 2007 لا أعرف إن كانت أذيعت وقتها أم مُنعت، حيث قالت -وببراءة شديدة- إحدى النساء المسنات ما معناه " نحن سنقول نعم لمبارك في كل شيئ ربما يرضى عنا ويخفض لنا الأسعار" ، وقال أحد المواطنين تعليقا على الاستفتاء" إحنا ما نعرفش الدستور من أم الخلول ! "

ربما هو نفس المواطن الآن يتصرف ببعض الايجابية حتى وإن كان على غير وعي كامل بما يحدث في مصر.

هل هذه هي حقا مصر؟

طبعا تشوب الصورة أشياء كثيرة لا تسر القلب، الفساد الذي زاد وغطى.. رفض البعض للثورة وعدم إدراكهم لما حدث في مصر.. تشدد البعض من مؤيدي الثورة وإعداد قوائم سوداء لوضع وصمة عار فوق جبين كل من لم يؤيد الثورة في بدايتها وخاصة من الفنانين، ورغم ما عاناه كل من ظل في ميدان التحرير ليحرر مصر ويقدم للجميع الحرية على طبق من فضة، ورغم دماء الشهداء الغالية، ورغم التصريحات المستفزة أوغير الواعية لبعض من هاجم الثورة، إلا أن كل الخوف كله من مطالبتنا بالديموقراطية وحق التعبير لنا فقط دون غيرنا، الخوف من الانشغال بقضايا فرعية بعيدا عن الموقف العظيم الذي تشهده مصر..

يشوب الصورة أيضا مشهد الفتنة الطائفية ومحاولة إشعال نيرانها ..يشوبها التعصب البغيض في كل الاتجاهات والتفتيش عن نوايا الآخرين..يشوبها استغلال الدين وقلة الوعي لفرض رأي بعينه أو لتحقيق مكاسب سياسية حتى وإن كانت مشروعة..

طبعا تشوب الصورة ما حدث للدكتور محمد البرادعي يوم الاستفتاء وتبرير البعض ذلك بأن الشعب لا يريده ! لا يريده فيقذفه بالحجارة بالله عليكم؟؟

من قال في الاستفتاء (نعم) يتهم الآخرين بالعمالة والخيانة ، ومن قال (لا) يتهم من خالفه الرأي بالانسياق غير الواع لحقيقة ما حدث في مصر بل وبالجهل والغباء، لكن هذه هي الديموقراطية وحرية إبداء الرأي، وإن كانت فئات كثيرة من المجتمع المصري تفتقد بالفعل الوعي والرؤية والعلم، فأملنا أن ينصلح الوضع قريبا وتدريجيا على أيدي من يملكون هذا الوعي وهذه الرؤية، حيث تزداد مسئولية هؤلاء مهما حاولوا التنصل منها..

صحيح النظام السابق روج للجهل وتغييب الوعي، الا أن الجهل ليس ذنب الجاهل وحده ، وقد سقط النظام الفاسد وعلى أحد ما تولي مسؤلية الإصلاح بعد أن تم هدم الصنم، سيتم ذلك فقط بالحوار الهادئ وليس بالتصادم وتبادل الاتهامات، بالعمل والنَفَس الطويل واستمرار النقاش السياسي الذي يشبه عصف الأفكار وبدون الدخول في صراع المصالح الذي لا ينتهي ، سيتم أيضا بالبعد عن اليأس الذي قد يصيب المثقف، بأن يكمل المثقف مشواره الذي بدأه بتفجير الثورة ودعم التغيير وكسر حاجز الخوف وسار وراءه الملايين من الذين آمنوا بما فعل ، عليه الآن ألا يترك أيدي الآخرين في منتصف الطريق بل يأخذ بيد الجميع بلا تكبر ولا تعالٍ ولا اتهام ولا استعلاء ولا استخفاف بالآخر.

من المشاهد الأخرى مشهد المظاهرات الفئوية والتي انقسمت حولها الآراء ، البعض يرى أن ضررها أكثر من نفعها في هذا التوقيت ، حيث تشكل جزءا من الثورة المضادة التي تحبط الثورة المصرية، بينما يرى آخرون أنه طالما فتحنا باب الحرية ، فللجميع حق التظاهر والتعبير والاعتراض وعلى الأقل هي رسالة لكل فاسد أن هناك من سيحاسبه يوما، لكن هناك شبه اتفاق على أهمية ضبط النفس وتغليب الصالح العام على الخاص في الوقت الراهن على الأقل ....

وإن كنت شخصيا متفقة مع ضرورة ضبط النفس، إلا أنني للحق لم أستطع أن أمنع نفسي من المطالبة بسرعة حل " معضلة " رغم أهميتها إلا أنها تبدو ثانوية بالنسبة لما يحدث في مصر الآن من حراك سياسي كبير..لكنها مشكلة عويصة أعتبرها مشكلة شخصية تؤرقني، وغالب الظن أنها تؤرق كل مصري ، ويؤمن البعض حتى من قبل الثورة أنها من صنع النظام السابق ليس بسبب انعدام الرؤية لدى هذا النظام أو (اللا نظام ! )، ولكن لأنه تعمد إلهاء المواطن بها لاستنزاف جهده ووقته ..

فالشئ المضحك أنه – وبسبب تفاقم الانفلات الأمني وانتشار البلطجة وترويع الإعلام المصري للآمنين وفرض ساعات طويلة جدا من حظر التجول – فقد لازمت المنزل لعدد من الأيام، وجاء الوقت لأخرج إلى الشارع وأنا متحمسة لأرى " مصر الجديدة " بعد بداية تباشير انتصار الثورة، والناس بالفعل قد بدا على وجوههم ظهور سمات جديدة لم تكن موجودة من قبل وكأننا قد استرددنا كرامتنا وأرضنا وثقتنا بنفسنا بعد أن كسرنا الخوف وأدرنا بلدنا أمنيا بجهود شعبية، وكان من فرط سذاجتي أنني توقعت أنني سأجد " الشوارع فاضية والمواصلات سهلة ! " طالما أن مصر قبل 25 يناير ليست كمصر بعد هذا التاريخ!!

وطبعا مصر هي مصر ، وإن تغير كل شيئ فيها فلن تتغير "الزحمة" في شوارع المدن الكبرى وعلى رأسها القاهرة..فلن تكن القاهرة هي القاهرة إذا خلت شوارعها من الزحام.

هي مشكلة عويصة من وجهة نظري ...ليس لأن حياتي خالية من المشكلات ولكن لأني شخصيا أراها من أكبر مشكلاتي ..

قد يقال " وماذا تعني مشكلة كهذه وسط أطنان من الفساد والجهل والمرض والفقر والاحتقان الطائفي ؟ "

سؤال وجيه ولكن فلنتذكر معا كم مريض أو مصاب في حالة حرجة قد لقى حتفه بسبب عدم التمكن من الوصول إلى مستشفى أو مكان علاج أو إنقاذ مناسب في اللحظة المناسبة.. وكم سيارة إسعاف أو مطافئ عرقلها زحام السير..

وإذا كانت الإجابة بأن أرقام الضحايا من تلك النوعية محدودة أو لا تهم أحدا مقارنة بضحايا المبيدات المسرطنة...فدعنا من هذا المثال ونطرح مثالا آخر ..

منذ أيام شاهدنا زحام صفوف أو " طوابير " المواطنين يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وكيف أن المواطن قد تكبد عناءا كبيرا في احتمال الزحام من أجل أداء واجب الإدلاء بالرأي.. وكيف أن بعض الشخصيات العامة لم تلتزم بالنظام أو الدور في "الطابور" بسبب انشغالها أو ضيقها بالانتظار بمعنى أصح، وقد ثار المواطنون على بعض هذه الحالات باستثناء في حالة رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف الذي استقبله ميدان التحرير استقبالا حافلا ورحب به أيضا المواطنون يوم الاستفتاء بلجنة مدرسة جمال عبد الناصر الذي توجه إليها للإدلاء بصوته، ونبع ذلك من حبهم للرجل وقبلها من إدراكهم لحقيقة إنشغاله بسبب الأعباء الكبيرة الملقاة على عاتق هذا المواطن والمسئول الشريف..كلنا يعلم كيف أن الانتظار بلا مبرر في الزحام يعرقل إنجاز الأعمال..وطبيعي أن نتحمل الزحام والانتظار الطويل في الأيام الاستثنائية..لكن هل يعقل أن تكون هذه هي القاعدة؟

ونحن نعلم جميعا ومعنا السيد رئيس الوزراء.. نعلم جيدا الشعور الذي ينتاب الإنسان عندما يخرج من منزله صباحا يملؤه التفاؤل والرغبة في العمل والإنجاز، وربما يقرر السير على قدميه للوصول في وقت أقصر لعمله.. فيواجه أخطار محدقة في شوارع غير مؤهلة لسير البشر بكرامة آمنين على حياتهم (القطط والكلاب أيضا تواجههم نفس الأخطار وتشهد الطرق السريعة والدائرية على ذلك)، أو يقرر أن يركب سيارته إن كانت لديه واحدة فيفقد أعصابه ويندم على شرائها ويقوم بحركات بهلوانية محترفة لمواصلة السير، أو ربما يركب إحدى وسائل المواصلات وعن هذه فحدث ولا حرج فليست المشكلة فقط فقد الأعصاب بل فقد الكرامة والتعرض للإيذاء النفس والمعنوي وربما الجسدي...

المهم أن النتائج متشابهة بدرجة أو بأخرى...فالنتيجة أنه سيفاجئ ( مع أنه معتاد على ذلك يوميا لكنه يوميا لديه أمل أن اليوم أفضل)..يفاجئ بزحام السير البغيض الكريه ، فيستعين بالله أولا، ثم يتذكر فضل الصبر، ثم يفقد صبره وقد يلعن الحكومة والبلد ونفسه، أو قد يتظاهر بأنه يستمع إلى الموسيقى أو الحديث في "المحمول" مخالفة لقانون المرور( ماهو ماجتش على دي )، ثم يدخل في دائرة الإحباط ويصاب بكل الآلام الجسدية والنفسية بل والعقلية ...ويصاب بالسأم ويكفر بقيمة الانتماء أحيانا...ثم يصل إلى وجهته في أضعاف الوقت اللازم لذلك في الدول المحترمة.. بعد كل هذا الضغط يصبح كإناء مغلق يكاد ينفجر من ضغط الماء المستمر في الغليان...ينفس عن نفسه بالاحتكاك والتصادم مع الآخرين الذي يبدأه في الشارع ويكمله في مقر العمل .. أو يكظم غيظه لمدة طويلة قبل أن ينتقل لإحدى المصحات النفسية .

على أقل تقدير تكون الخسائر هي أن يفقد الرغبة في النزول من المنزل للعمل أو تلقي العلم أو تنمية مواهبه وقدراته الذاتية أو أعماله التطوعية أو علاقاته الاجتماعية أو حتى لياقته البدنية ! ناهيك عن قضاء الاحتياجات أو المصالح الضرورية والعاجلة.

هنا إذن لا نتحدث عن أرقام صغيرة لضحايا الطرق، لكننا نتحدث عن مئات الآلاف من قتلى النفس والعزيمة بسبب سوء التخطيط..الميزة الوحيدة للزحام هي أن المواطن المصري قد تعلم الصبر واعتاد أن ينجز في الظروف الصعبة ، وبالتالي لا عجب أن يظهر نبوغ المصري عندما يعمل في الخارج حيث " الشوارع فاضية والمواصلات سهلة ! " ...

المشكلة ليست هامشية بل هي من أولويات تحقيق النهضة، وليست أبدا مستعصية على الحل، فتجارب الدول التي واجهت هذه المشكلة ليست ببعيدة عنا ...وقد أشار الخبير الهندسي المصري العالمي دكتور ممدوح حمزة لاستعداده لتقديم خطة كاملة لحل المشكلة، وليس وحده فمصر مليئة بالعقول والخبرات في تخطيط الطرق وتنظيم المرور،لكن من يستغل هذه العقول وهذه القدرات لإتاحة تنقل كريم وغير قاتل للمواطن المصري كبداية لإعادة كل ما هو جميل في الشخصية المصرية؟

فالشارع هو أول مكان يلتقي فيه المواطن بوطنه وبمواطني بلده وهو اللقاء الذي يؤثر على انتمائه لهذا الوطن ورؤيته ليومه ومستقبله.