منذ شهور قليلة احتفل المخرج والمؤلف الإيطالي Giuseppe
Tornatore
بعيد ميلاده الـ 60، وربما لا نعرف الكثير عن هذا المخرج ولا عن السينما
الإيطالية عموماً.. فقد نشأنا والفيلم الأجنبي يعني لدينا الفيلم الأمريكي..لكن الصدفة
قادتني لمشاهدة هذه التحفة الرائعة الذي قدمها المخرج عام 1988 وحصل على جائزة
الأوسكار في العام التالي عن نفس الفيلم .. "سينما براديزو" .
الفيلم يبدو كأنه هدية من المخرج للسينما.. هذه الشاشة الساحرة.. ربما
استلهم فيه قصته هو ورحلته في حب السينما.. أو ربما مزج الواقع بالخيال ولكنه قدم
لنا في النهاية فيلماً لا ينسى.
ورغم طول مدة عرض الفيلم إلا إنه لا يشعرك أبداً بالملل ربما بسبب حالة
"النوستالجيا" الصادقة والمشاعر الفياضة التي تشع منه، فضلاً عن
الموسيقى الخلابة.
يبدأ الفيلم برجل ثري "نعرف أنه مخرج سينمائي مشهور" تبلغه
صديقته أن والدته، والتي لم يرها منذ سنوات طويلة قد اتصلت لتخبره بوفاة شخص ما
يدعى"ألفريدو".. معرفة البطل بموت "ألفريدو" هذا يلقي بحجر في
مياهه الراكدة ليسرح في ذكرياته منذ كان طفلاً صغيراً "يطلقون عليه
توتو" في إحدى القرى الإيطالية الصغيرة ..
نعرف من خلال الرحلة علاقته بـ"ألفريدو" الذي يعمل في سينما
البلدة الصغيرة، والذي شكل عالم ومستقبل
"توتو".
بطل الفيلم أو الطفل الصغير "توتو" كما يطلقون عليه يعيش مع
والدته الشابة وأخته الرضيعة في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية، بعد غياب
والده الذي ذهب للحرب، يجد الطفل سلواه وتسليته في عالم الخيال من خلال سينما الحي
الذي يقطن به والتي تنسيه واقعه، حيث يقوم رجل الدين المسيحي بمشاهدة الأفلام
لممارسة دور الرقيب وقص كل مشاهد الغرام قبل اتاحتها للجماهير المتعطشة للهروب من
واقعها المرير..
يفاجئ رواد السينما كل ليلة أن القبلة التي ينتظرونها قد حُذفت فيمتعضون
ويصرخون محتجين بينما تعلو ضحكات توتو الذي يعرف كل شيئ بمكوثه مع ألفريدو في
الغرفة الخلفية الضيقة، حيث الآلة اليدوية التي يتم بها تشغيل الشريط السينمائي،
وحيث يتعلم توتو منذ نعومة أظافره حب السينما والكثير من الأسرار عنها..
وفي السينما الصغيرة يحدث كل شيء.. تنشأ علاقات الحب، وتحدث الجريمة،
ويلتقي الأصدقاء..ويهرب الجميع من واقعهم الأليم.
أما العامل الذي يدير الشريط السينمائي في السينما "ألفريدو"
الذي لم ينجب أطفالاً، فقد اتخذ "توتو" كصديق له، يرافقه دائماً، يصالحه
ويخاصمه ويثور عليه ثم ينقذه من عقاب والدته.. والمهم أنه لايبخل عليه بالنصائح
التي يسمعها ويحفظها عن ظهر قلب من الأفلام التي يعرضها كل يوم من الغرفة الضيقة التي
لا يغادرها..فمعظم مقولات ألفريدو هي مقولات أبطال الأفلام الذين يشكلون عالمه
الضيق.
يحلم توتو أن يعمل كعامل تشغيل في السينما، لكن ألفريدو يحاول أن يثنيه
بحكمته عن الالتحاق بهذه المهنة الشاقة ويحاول أن يزيد طموحه ليصبح شيئاً أهم..
يكبر توتو ويعيش قصة حب، ثم يقرر أن يترك بلدته الصغيرة متوجهاً إلى روما، وينصحه
ألفريدو قبل المغادرة أنه عليه إذا أراد أن يصل للنجاح ألا يرجع لبلدته ولا ينظر
للوراء كي لا تعوقه الذكريات عن تحقيق أحلامه.. حيث يخبره ألفريدو للمرة الأولى
حكمة من وحي أفكاره هو وليس من مقولات أبطال الشاشة الفضية .. "الحياة أصعب
بكثير مما تبدو عليه في الأفلام"..
الفيلم يأخذ الطابع الكلاسيكي، حيث ينتهي "الفلاش باك" الطويل عن
طفولة توتو، والذي استغرق معظم الفيلم، ليرجع البطل إلى بلدته أكثر قوة ويلتقي
بأهالي البلدة الذي اعتاد أن يراهم في السينما وقد بدت عليهم الشيخوخة..
وكما يستعرض الفيلم رحلة توتو في الحياة، فإنه يستعرض تطور السينما ذاتها،
من وقت أن كانت تحت سيطرة الرقابة الأخلاقية للمجتمع، مروراً بالمرحلة الرأسمالية عندما
يشتري أحد الأثرياء الجدد دار السينما ليجددها وتصبح الإيرادات هي الأهم وبالتالي
فمرحباً بالمشاهد المثيرة، وانتهاءاً بظهور التلفزيون الذي احتل مكان السينما في
الترفيه عن البشر، وبالتالي فقد تقرر في نهاية الفيلم هدم "دار سينما
براديزو" التي لم تعد تجلب الإيرادات في مشهد مؤثر جمع البطل بسكان بلدته،
ليشهد مع الجميع لحظة هدم المكان التي عاصر طفولته وخلق شغفه بالشاشة الساحرة.. ليكتمل
بذلك الشكل التقليدي للسرد السينمائي كما قدمه لنا المخرج في هذا العمل البديع على
مدار ساعتين هما مدة عرض الفيلم.
سينما براديزو..هو فيلم عن الحرب والحب والصداقة والمعاناة الإنسانية، تم
تغليفه بغلاف رقيق هو الاحتفاء بالسينما، تلك الساحرة التي تمثل مرآة للبهجة
وللمعاناة الإنسانية معاً على حد سواء.
......................................................................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق