تابعت برنامج الداعية الشاب مصطفى حسني (الكنز المفقود) والذي تدور فكرته حول المعاني الجميلة التي نفتقدها في حياتنا اليومية مثل الرضا بقضاء الله وشكر النعم وغيرها من المعاني البسيطة، والتي يندر وجودها في هذا البلد وفي هذا الزمان...
انتقد الداعية بشدة سلوك أحد الأشخاص والذي سمعه يقول «احنا عايشين عيشة الكلاب» مؤكدًا أن هذا الشخص لا يشكر الله على نعمه وأن الكلب ربما يكون فعلاً أفضل منه لأنه على الأقل يسبح بحمد الله.
استوقفتني الجملة طويلاً لأتأملها، هل نحن نعيش (عيشة الكلاب) فعلاً؛ وتهت في تأملاتي وأفكاري.. أصبح الوضع في الشارع المصري مريعًا في السنوات الأخيرة، واستشرت الأمراض الاجتماعية في الشارع المصري وفي البيوت المصرية وفي المصالح الحكومية المصرية.. ولسنوات عديدة كان للدراما دورًا في انتقاد ما يحدث في المصالح الحكومية على وجه التحديد، وقد اختزلت المشكلة في عبارات من قبيل (فوت علينا بكره).. و (ظرفني تعرفني).. للدلالة على تفشي الرشوة والفساد والتكاسل والتقاعس عن أداء العمل والواجب، وبالرغم من أن هذه المشكلات ليست جديدة علينا... إلا أنني أزعم أنه ما من وقت تأزمت فيه الأوضاع في مصر مثل وقتنا الحالي.. حتى باتت مشكلة قصور (الضمير) هذه - إن جاز التعبير - قنبلة توشك على الانفجار كل لحظة لتهدد بفوضى عارمة تعم المجتمع المصري.
والأخطر من ذلك أن هذه المشكلة أصبحت تشكل عامل طرد للمصريين أنفسهم، حيث أصبح حلم الهجرة والسفر حلم كل مصري، مما يهدد بالقضاء على الطبقة المثقفة في مصر.
وقد كتب المفكر جلال أمين كتابه (ماذا حدث للمصريين) ليرصد مثل هذه الأمراض التي تفشت للدرجة التي لم تعد تلفت الانتباه إليها، وكأن الأمر (عادي)... كما رصد علاء الأسواني هذه المشكلة من منظور آخر وأسماها ظاهرة (التدين البديل)، حيث أكد أن المصريين لا يقدرون على مواجهة الفساد والمفسدين وهو الهدف الحقيقي من الدين.. ولذلك اختاروا " تدينًا بديلاً سهلاً ويسيرًا " وهو التدين الذي يظهر من خلال اللحية والحجاب..
والحقيقة أن المصريين لم يختاروا تدينًا بديلاً، فالتدين «كلٌ متكامل»، والذي فعله المصريون هو فصل الجوهر عن المظهر، والاكتفاء بهذا الأخير.. ربما لأنه أيسر كما يرى علاء الأسواني.. وربما لأن الأول هو الذي أصبح (مستحيل الحدوث) بمعنى الكلمة.. نعم فتطبيق (جوهر الدين) أصبح من المستحيلات في الوضع الذي يعيشه الشعب المصري.. فهو كالغول والعنقاء والخِل الوفي في هذا الزمان وفي هذه البلاد.. وقد تصادف أن خرجت إلى الشارع في الأسبوع الأخير بشكل مكثف للانتهاء من بعض الأوراق الرسمية المهمة، وهو موقف سيحدث لا محالة لأي إنسان مصري بالضرورة مرات عديدة في حياته حتى لو ليست له أية حيثية في المجتمع (رخصة، شهادة ميلاد، تطعيم.. الأمر ما يسلمش)... ولاحظت جملة جديدة على أذني، ترددت على لسان أكثر من موظف أو عامل وفي أماكن مختلفة.. قالوا لي «يا أستاذة انتي اسعي ورا حاجاتك»، ومرة أخرى «انتي أدرى بمصلحتك» و «احنا هنعملك حاجاتك كمان، لو مخلصتيش الورق بنفسك مش هتلاقي حد يخلصه ويمكن يفضل مركون بالشهور»، وطبعًا الكلام منطقي للغاية، فالسعي وراء المصلحة فرض على كل إنسان عاقل، لكن للأسف فالنصيحة في غير محلها، وهؤلاء الذين تطوعوا بتقديم مثل هذه النصائح لي يقصدون ببساطة (احنا مش عايزين نعمل شغلنا.. لو عايزة انتي بقى اعمليه)، وحاولت تحليل أسباب هذه العبارات المتكررة التي سمعتها، ربما تكاسل.. ربما حقد اجتماعي.. مشكلة ضمير.. أو إيمان الموظف بأن هذا العمل ليس عمله ولا يستحق أن يتعب من أجله، وأن ما يأخذه مقابله من (ملاليم) لا تستدعي القيام بأي عمل مقابلها سوى الحضور لمقر العمل وكفى، أو حتى عدم الحضور والاكتفاء ببذل المجهود من أجل (التزويغ).. أما إنجاز العمل وقضاء مصالح المواطنين فهو درب من الجنون، فما بالك بالابتسام في وجوههم؟؟
ولا أعرف على وجه التحديد أين المشكلة، ومن أين تبدأ.. هل العيب في مثل هؤلاء الناس.. أم أن الحياة والظروف والأوضاع هي التي دفعتهم دفعًا لمثل هذه الحالة، وبالتالي فهم «معذورون».. وهي المعضلة الشهيرة (البيضة) أولاً أم (الدجاجة).
فالناظر إلينا الآن يجدنا نحيا في ظل مجتمع بلا أية منظومة قيمية تحكمه، لا توجد سوى الشعارات الزائفة والتعصب.. لم يعد لكل مجتهد نصيب ولم تعد علامة (الميزان) ـ للأسف الشديد ـ تعني سوى حلاوة الرشيدي.. وأصبح الشعار الوحيد الذي يمكن أن نرفعه بحق في مجتمعنا هو (الصبر مفتاح الفرج)، حيث أصبح كل مصري هو بالضرورة ( صابر أيوب )!!، وحتى لو تحسن العالم من حوله، فلن يستطيع تغيير أسمه ( صابر) ـ على رأي الإعلان الشهير ـ من البطاقة..
وفي خضم تأملاتي وأنا سائرة في الطريق استلفتني سائق سيارة أجرة يهدئ السرعة لتمر امرأة عجوز... فقلت في نفسي هي دي الجدعنة المصرية.. والله لسه موجودة بس مدفونة تحت أكوام من المعاناة....
انتقد الداعية بشدة سلوك أحد الأشخاص والذي سمعه يقول «احنا عايشين عيشة الكلاب» مؤكدًا أن هذا الشخص لا يشكر الله على نعمه وأن الكلب ربما يكون فعلاً أفضل منه لأنه على الأقل يسبح بحمد الله.
استوقفتني الجملة طويلاً لأتأملها، هل نحن نعيش (عيشة الكلاب) فعلاً؛ وتهت في تأملاتي وأفكاري.. أصبح الوضع في الشارع المصري مريعًا في السنوات الأخيرة، واستشرت الأمراض الاجتماعية في الشارع المصري وفي البيوت المصرية وفي المصالح الحكومية المصرية.. ولسنوات عديدة كان للدراما دورًا في انتقاد ما يحدث في المصالح الحكومية على وجه التحديد، وقد اختزلت المشكلة في عبارات من قبيل (فوت علينا بكره).. و (ظرفني تعرفني).. للدلالة على تفشي الرشوة والفساد والتكاسل والتقاعس عن أداء العمل والواجب، وبالرغم من أن هذه المشكلات ليست جديدة علينا... إلا أنني أزعم أنه ما من وقت تأزمت فيه الأوضاع في مصر مثل وقتنا الحالي.. حتى باتت مشكلة قصور (الضمير) هذه - إن جاز التعبير - قنبلة توشك على الانفجار كل لحظة لتهدد بفوضى عارمة تعم المجتمع المصري.
والأخطر من ذلك أن هذه المشكلة أصبحت تشكل عامل طرد للمصريين أنفسهم، حيث أصبح حلم الهجرة والسفر حلم كل مصري، مما يهدد بالقضاء على الطبقة المثقفة في مصر.
وقد كتب المفكر جلال أمين كتابه (ماذا حدث للمصريين) ليرصد مثل هذه الأمراض التي تفشت للدرجة التي لم تعد تلفت الانتباه إليها، وكأن الأمر (عادي)... كما رصد علاء الأسواني هذه المشكلة من منظور آخر وأسماها ظاهرة (التدين البديل)، حيث أكد أن المصريين لا يقدرون على مواجهة الفساد والمفسدين وهو الهدف الحقيقي من الدين.. ولذلك اختاروا " تدينًا بديلاً سهلاً ويسيرًا " وهو التدين الذي يظهر من خلال اللحية والحجاب..
والحقيقة أن المصريين لم يختاروا تدينًا بديلاً، فالتدين «كلٌ متكامل»، والذي فعله المصريون هو فصل الجوهر عن المظهر، والاكتفاء بهذا الأخير.. ربما لأنه أيسر كما يرى علاء الأسواني.. وربما لأن الأول هو الذي أصبح (مستحيل الحدوث) بمعنى الكلمة.. نعم فتطبيق (جوهر الدين) أصبح من المستحيلات في الوضع الذي يعيشه الشعب المصري.. فهو كالغول والعنقاء والخِل الوفي في هذا الزمان وفي هذه البلاد.. وقد تصادف أن خرجت إلى الشارع في الأسبوع الأخير بشكل مكثف للانتهاء من بعض الأوراق الرسمية المهمة، وهو موقف سيحدث لا محالة لأي إنسان مصري بالضرورة مرات عديدة في حياته حتى لو ليست له أية حيثية في المجتمع (رخصة، شهادة ميلاد، تطعيم.. الأمر ما يسلمش)... ولاحظت جملة جديدة على أذني، ترددت على لسان أكثر من موظف أو عامل وفي أماكن مختلفة.. قالوا لي «يا أستاذة انتي اسعي ورا حاجاتك»، ومرة أخرى «انتي أدرى بمصلحتك» و «احنا هنعملك حاجاتك كمان، لو مخلصتيش الورق بنفسك مش هتلاقي حد يخلصه ويمكن يفضل مركون بالشهور»، وطبعًا الكلام منطقي للغاية، فالسعي وراء المصلحة فرض على كل إنسان عاقل، لكن للأسف فالنصيحة في غير محلها، وهؤلاء الذين تطوعوا بتقديم مثل هذه النصائح لي يقصدون ببساطة (احنا مش عايزين نعمل شغلنا.. لو عايزة انتي بقى اعمليه)، وحاولت تحليل أسباب هذه العبارات المتكررة التي سمعتها، ربما تكاسل.. ربما حقد اجتماعي.. مشكلة ضمير.. أو إيمان الموظف بأن هذا العمل ليس عمله ولا يستحق أن يتعب من أجله، وأن ما يأخذه مقابله من (ملاليم) لا تستدعي القيام بأي عمل مقابلها سوى الحضور لمقر العمل وكفى، أو حتى عدم الحضور والاكتفاء ببذل المجهود من أجل (التزويغ).. أما إنجاز العمل وقضاء مصالح المواطنين فهو درب من الجنون، فما بالك بالابتسام في وجوههم؟؟
ولا أعرف على وجه التحديد أين المشكلة، ومن أين تبدأ.. هل العيب في مثل هؤلاء الناس.. أم أن الحياة والظروف والأوضاع هي التي دفعتهم دفعًا لمثل هذه الحالة، وبالتالي فهم «معذورون».. وهي المعضلة الشهيرة (البيضة) أولاً أم (الدجاجة).
فالناظر إلينا الآن يجدنا نحيا في ظل مجتمع بلا أية منظومة قيمية تحكمه، لا توجد سوى الشعارات الزائفة والتعصب.. لم يعد لكل مجتهد نصيب ولم تعد علامة (الميزان) ـ للأسف الشديد ـ تعني سوى حلاوة الرشيدي.. وأصبح الشعار الوحيد الذي يمكن أن نرفعه بحق في مجتمعنا هو (الصبر مفتاح الفرج)، حيث أصبح كل مصري هو بالضرورة ( صابر أيوب )!!، وحتى لو تحسن العالم من حوله، فلن يستطيع تغيير أسمه ( صابر) ـ على رأي الإعلان الشهير ـ من البطاقة..
وفي خضم تأملاتي وأنا سائرة في الطريق استلفتني سائق سيارة أجرة يهدئ السرعة لتمر امرأة عجوز... فقلت في نفسي هي دي الجدعنة المصرية.. والله لسه موجودة بس مدفونة تحت أكوام من المعاناة....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق