الجمعة، 24 سبتمبر 2010

هل المرأه كائن مقدس والرجل كائن مدنس؟!


يزداد الجدل في المجتمع المصري كل يوم حول القضية القديمة الحديثة والمتجددة دوماً "قضية المرأة" .. ويبدو المصطلح عندما أسمعه غريباً .. شيء ما في تركيبته غريبة .. "قضية .. المرأة" .. ما هي قضية المرأة؟ ولماذا قضية المرأة؟! ولماذا للمرأة فقط قضية، ولماذا لا نسمع عن قضية الرجل في المقابل؟ وقضية الطفل، وقضية الشيخ المسن ؟!!

ولكنها شئنا أم أبينا قضية مثار جدل في العالم كله وفي الوطن العربي وفي مصر أيضاً .. ومفردات هذه القضية في مصر والوطن العربي كثيرة بدءاً من حقوق المرأة، العنف ضد المرأة، حرية المرأة، عمل المرأة، صوت المرأة ومروراً بدور المرأة، والمساواة بين الرجل والمرأة، (البنت زي الولد عند صلاح جاهين) ووصولاً إلى تمكين المرأة في الآونة الأخيرة.

وتمتد التساؤلات الحائرة لدى الرأي العام المصري: هل صوت المرأة عورة؟ هل تصلح المرأة قاضية؟ هل تتولى المرأة في الإسلام منصب الإفتاء؟

وتمتلئ صفحات الجرائد وساعات البث التليفزيوني وبرامج الـ Talkshow بمثل هذا الجدال دائماً ونرى المدافعون عن حقوق المرأة مصرون على أن النساء مظلومات وأسيرات في المجتمع المصري، بينما الرأي الآخر بحجته الدائمة والجاهزة والثابتة دوماً والمضحكة أحياناً، وهي أن التشريعات والقوانين التي صدرت في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة قد (أعطت) للمرأة المصرية حقوقاً لم يسبق لها مثيل، لدرجة أنه أصبح يستوجب على الرجل البحث عن حقوقه هو ايضاً والمطالبة (بمساواته) بالمرأة!

وطبعاً فإن الجانب المعارض سرعان ما يقاطع قائلاً و"هل الحقوق تُعطي؟؟" أم أنها شيء بديهي يتمتع به صاحب الحق دون أن يُمنح له؟؟.

وإذا كان "جوزيف ناي" الأستاذ في جامعة هارفرد والكاتب في عدد من الصحف الأمريكية قد أشار إلى أن القرن العشرين بكل ما فيه من تطورات على كافة الأصعدة هو قرن "أمريكا" بلا منازع، فهي سيدة العالم في العلم والاقتصاد والفن والسياسة والحرب ..!! فإنه من كثرة ما سمعنا عن مصطلح (تمكين المرأة) في الآونة الأخيرة أصبح لدينا انطباعا بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن المرأة بلا منازع .. فهي مثلها مثل أمريكا، ستصبح سيدة العالم في كل المجالات ! واذا كانت أمريكا في الحقيقة قد تسيدت العالم من خلال القوة الناعمة وهي قوة الإعلام والفن والثقافة .. أو صناعة التسلية... فقوة المرأة هي أيضا مستترة من كثرة اعتياد النساء على إخفاء مقومات هذه القوة.

وبالرغم من ذلك فإن المرأة مازالت غير مُنصفة تماماً في الغرب فالمرأة مازالت في بعض الدول الغربي المتقدمة تحصل عل نصف الراتب الذي يحصل عليه زميلها الرجل في نفس العمل ونفس المكان والوظيفة .. ومازالت عند زواجها تُلقّب بلقب عائلة زوجها وتترك لقب أسرتها الأصلي.

وحتى خبراء العلاقات العاطفية في الغرب ينصحون المرأة التي ترغب في الارتباط بعدم إظهار ذكائها وثقافتها بشكل كامل للرجل حتى لا تفقد جاذبيتها، وهو نفس المفهوم المتعارف عليه ضمنياً لدى النساء في كافة أنحاء المعمورة على اختلاف انتمائاتهن وذلك لإرضاء غرور الرجل وبالتالي كسب محبته، فيما يسمى بالدهاء أو الكيد الأنثوي، وهو ما يمكن اعتباره أيضاً إذا صح التعبير نوعاً من القوة المستترة داخل إطار من الضعف، أو نوعاً من الضعف القوي أو أياً ما كانت المسميات التي لا تغير من واقع الأمر شيئا..

كما أن المرأة تتميز عن الرجل في معظم لغات العالم – إن لم يكن كلها- بوجود صفتين لها أو حالتين، إما آنسة أو سيدة، على عكس الرجل المُلقّب "بالسيد" دائماً!! وكأن أهم صفة يجب أن تميز المرأة عند تعريفها لنفسها لدى الآخرين هي كونها متزوجة أو غير متزوجة، مما يعكس نظره ضيقة محدودة للأنثى.

وإذا كان الإسلام قد كرم المرأة وأنصفها ورفع الظلم عنها، فالمجتمع الشرقي لا يعترف أحياناً بذلك الإنصاف ولا بهذا العدل، ولينزل أحدنا إلى الشارع المصري ويرى المضايقات التي تتعرض لها السيدات ،فهناك المعاكسات التقليدية التي عادة ما يلوم الرجال المرأة عليها بدعوى أنها غير محتشمة كالجاني الذي يتهم الضحية، وذلك على الرغم من أن المنتقبات أيضا تتعرضن لهذه السخافات، وبغض النظر عن هذا التعدّي الواضح إلا أن هناك نظرة متدنية للمرأة عموما وكأنها كائن فضائي يتعجب الرجال من وجوده معهم في الحياة، أو كأنها "عالة" على المجتمع بالرغم من أن المرأة في مصر هي ذاتها من تعول أسرتها وزوجها العاطل في كثير من الأحيان... وهذه المضايقات لا تفرق بين النساء ، سواء من كانت محتشمة أو غير ذلك، وسواء من كانت تمشي في الشارع أو تقود سيارة، ويالسوء حظ هذه الأخيرة إن ارتكبت خطأ ما أثناء القيادة مهما كان صغيراً، فما أن يكتشف أحدهم أنه توجد وراء عجلة القيادة امرأة حتى يصيح ولسان حاله يقول "مش ناقصة كمان الستات" ، وأغلبنا للأسف يعرف هذا الموقف جيداً ..

وهذه النظرة تتعرض لها النساء بشكل عام، وإذا نظرنا إلى "خناقات الشوارع" بين فئة الجهلاء من المجتمع المصري- وهي فئة تتسم بكونها منتشرة وعابرة للطبقات الاجتماعية بكل أسف- نجد أن السباب المتبادل إذا كان يتعلق بالأم فهو أكثر جرحاً للكرامة!!! وإذا حاولنا أن نعرف السبب، نجد من يقول أن ذلك يرجع لكون (الأم) رمز مقدس لا يمكن المساس به!!!!!

لكن هل يتم التعامل مع المرأة والفتاة في الشارع المصري كرمز مقدس؟؟ وهل يعني أن المرأة كائن أو "شيء" –إن صح التعبير- مقدس، أن الرجل كائن أو "شيء" مُدنّس أو نجس أم ماذا؟!!

أما عن صورة المرأة في الإعلام المصري والعربي فالحديث عنها يطول، وإذا كان تحليل ونقد الدراما المُقدمة ومعرفة آثارها أمر يطول شرحه، فدعنا نتحدث عن الإعلان، وهو أقصر الرسائل الإعلامية التي تخاطب الجماهير وتصل إليهم بسهولة كالحقنة تحت الجلد، فإذا أخذنا عينة عشوائية من هذه الإعلانات نجد أن المرأة رمزاً للجمال والفتنة وليّ أعناق الرجال. وحتى الإعلانات التي تعكس قيمة المرأة كمواطنة عاملة أو كأم، لا تُبرز سوى دور المرأة في تقديم الطعام لأطفالها وإغراء الجيران والضيوف برائحة الطعام الشهي!! ناهيك عن الإعلانات التي تبرز دور بشرة المرأة وبياضها في حصولها على فرصة عمل أفضل ، وهو الإعلان الذي لاقى انتقاداً واسعاً من قِبَل منظمات المرأة وحقوق الإنسان عندما عُرضت نسخة منه في الهند وذلك لإساءته لأصحاب البشرة السمراء، وهو في الحقيقة يسيء للمرأة ولجنس البشرية بشكل عام.

والطامة الكبرى هي إعلانات مساحيق الغسيل، فبعدما هزت هذه الحملات الإعلانية صورة الشعب المصري أمام نفسه بإظهاره بمظهر المتسول للجنيهات الذهبية، جاء البعض الآخر من هذه الإعلانات ليربط مفهوم الشرف بنصاعة الملابس: "أيوة كدة نضفي جلابية جوزك وشرّفي أمك!!" بالإضافة إلى العبارة الشهيرة "نضافة تشرّف"!

فهل شرف المرأة أو الإنسان يُختذل في درجة بياض الجلابية؟! وللحق نقول أن تضييق صورة المرأة في كونها فقط أما، أو كفتاة تنتظر العريس، أورمزاً للفتنة، أو كربة منزل – مع عظمة هذا الدور- لا يقتصر على الإعلام المصري، بل يحدث في العالم كله للأسف.

وكل هذا ليس بجديد، لكن ما يسترعي الانتباه حقاً في الآونة الأخيرة هو محاولة البعض استصدار فتوى شرعية بتحليل التحكم في جنس الجنين، ليس على المستوى الفردي أي برغبة كل أسرة على حدة، ولكن بشكل قومي!! أي قرار رسمي بزيادة عدد الذكور!

والتحكم في جنس الجنين لمن لا يعلم هو التدخل بشكل طبي لاختيار الأجنة التي تحمل كروموزوم الذكر، أو الأنثى بالطبع، وهو الشيء الذي أصبح يمكن التحكم فيه بنسبة معينة ، وعادة ما لا يفعله الأطباء الشرفاء إلا لضرورة كوجود مرض وراثي يصيب جميع الإناث في العائلة، فبالتالي يحاول الطبيب تجنب ظهور هذا المرض، والعكس صحيح إذا كان المرض مثلاً لا يصيب إلا الذكور، أو غيرها من الأسباب.

وقد سمعت أحد الشيوخ الكبار من ذوي الشهرة والمكانة في العالم العربي في إحدى الفضائيات يناقش هذا الأمر، ويقول فيما معناه "أنه من الممكن أن يكون ذلك اتجاهاً قومياً إذا كانت حالة البلاد تستدعي ذلك، كأن نكون في حالة حرب تستدعي كثرة وجود الذكور للعمل كجنود.."

وقد توقفت عند كل ما يقل ودار برأسي عدداً من التساؤلات.....

أولاً: إذا افترضنا أنه توجد بلد ما في حالة حرب، فهل تسعى لزيادة عدد ذكورها للحاق بهذه الحرب أملاً في ألا تضع الحرب أوزارها قبل أن يكبر هؤلاء الذكور ويصلون إلى مرحلة الشباب وبالتالي تكون لديهم القدرة على القتال؟ وما هي البلد التي تظل في حالة حرب دائمة وتتعاقب عليها الأجيال والحرب لا تنتهي فيها؟! وحتى إذا صح ذلك جدلاً، ألن يصيب هذا الأمر ميزان الكون الدقيق بالاختلال؟

ثانياً: هل إذا كانت هناك دولة إسلامية –ولنقل آسيوية ليصبح المثال واضحا- يعتمد اقتصادها على الصناعات اليدوية الدقيقة مثل التطريز والمنسوجات وغيرها من الأشياء التي تبرع فيها النساء، هل سنجد حينها من ينادي بالتحكم في جنس الأجنة لزيادة عدد الإناث للنهوض بالصناعة وبالتالي باقتصاد هذا البلد؟؟

ثالثاً: هل سنجد صوتاً يطالب بزيادة عدد الذكور من أجل السبب الأشهر لدينا في المجتمعات الريفية وأحياناً في الحضر، وهو "العزوة"، والعزوة عندنا يتم تعريفها بأن الولد (الذكر) يساعد والده وأسرته، لكننا لا نصرّح بالسبب الحقيقي أو التعريف الدقيق للعزوة، وهو أن الولد (الذكر) يمنع أموال والده وميراثه من الفرار خارج إطار أسرته!

أليس هذا هو السبب الحقيقي لتفضيل إنجاب الذكور في مجتمعنا؟ وهو السبب الذي يثير التعجب في مجتمع يقال أنه متدين، حيث يأبى البعض تنفيذ حكم الله في المواريث، وهو نوع من (الشُح)... فإذا كان (البُخل) هو أن تبخل بمالك فأنت بخيل، (فالشُح) هو أن تبخل بمال غيرك فأنت شحيح، وهذا لأنك تريد أن تموت وتشبع موت وتأبى أن يرثك آخرون من غير أولادك، وتأبى أن يسري حكم الله في مالك الذي أصبح مال الله، وتأبى إلا أن تدبّر حال العباد حتى وأنت تحت التراب!

أما بخصوص زيادة عدد جنس معين لدواعي صناعية أو حربية إلى آخر هذا الكلام المُدهش المثير للعجب، فالحمد لله أننا لسنا في مجتمع (قَبلي) قائم على الحروب بين القبائل والطوائف، لم نعد نعيش في مجتمع (زراعي) –مع الأسف- قائم على قوة ذراع الرجل التي تمسك بالفأس...... نحن في مجتمع من المفترض أنه حديث، والمجتمعات الحديثة تقوم على مبدأ (الفردية)، أما إذا اعتبرنا أنفسنا مجتمعاً إسلامياً، فمثل هذا الأخير يقوم على فكرة (الأمة) المتكاتفة، والمرأة هي فرد في هذه الأمة، بل هي نقطة الارتكاز، فهي (الأم) وعبء تربية وتنشئة الإنسان وإن كان مشتركاً بين المرأة والرجل، إلا أن الأم عادة هي من تتولى المسئولية الأكبر في هذا المضمار، وهو مضمار أصعب من مضمار القتال، فقتل إنسان يستغرق لحظة واحدة، أما تنشئة وتربية عقله وجسده فأمر يستغرق جهاد سنوات طويلة، فالمرأة تأخذ على عاتقها تقديم الأفراد الصالحين للأمة ككل، ولا تكفي كلمات الشكر والثناء لإعطائها حقها، وإن كانت –أي المرأة- بذلك تؤدي واجباً مقدساً لها، ولكن من يؤدي الواجب على أكمل وجه يستحق أيضاً كلمة تقدير، أو لنقل (نظرة) تقدير حقيقية وليس مجرد (كلمة) مجاملة عابرة تخرج من الأفواه بغير تدبّر أو اقتناع.

ليست هناك تعليقات: