الخميس، 7 أبريل 2011

عن معجزة الثورة والدستور ومعضلة المرور:

هل هذه هي حقا مصر؟؟

عشنا خلال الأسابيع القليلة الماضية حلما تحقق بشكل فاجئنا جميعا ...لم يكن أحد يتصور أن ينجح أفراد من الشعب .. خرجوا يحملون أرواحهم بين أيديهم ... بدون سلاح ...لا يملكون سوى حلم وأمل ...يطالبون بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية...ينجحون في هدم نظام كامل وفساد .... فقط بمظاهرات سلمية ....

إنها حقا معجزة مصرية !

كان الفساد السياسي قد نشر أياديه السوداء في كل ركن من أركان الدولة المصرية فأحبط المجتمع وأظهر أسوأ وأسود ما في الشخصية المصرية.

وخلال الأيام الماضية طالعتنا أخبار الفساد والفاسدين... وتصريحات بعض المسئولين " معقول كل الفساد ده كان موجود وإحنا مش عارفين ؟! " وكأنها معلومة جديدة غير متوقعة أو كأنهم يعيشون في بلد آخر !

كلنا كنا نعايش حال البلد، وكلنا أصابنا نفاذ الصبر واليأس، لم نتغير كثيرا بالثورة، أصبحنا فقط أكثر ايجابية ...ظهرت قوتنا الخفية التي خنقتها اللامبالاة أو اليأس أو الخوف...

نعم نحن نستطيع أن نفعل الكثير...

ومعظمنا يتمنى الآن أن يتم تنظيف مصر من الفساد، وإن كان التطهير الكامل أمر غير واقعي لأنه لا توجد مدينة فاضلة، ولكننا نتمنى على الأقل أن تتم المحاسبة وفتح الصندوق الأسود لمصر على حد قول محمد حسنين هيكل ، من أجل الشفافية والمحاسبة ، نتمنى أن تصبح العدالة والمساواة والاستقامة هي القيم الغالبة وليس العكس... وقبلها كلها يأتي الوعي.

وخلال الايام الماضية أيضا تحدث الشعب المصري في السياسة كما لم يتحدث بها من قبل...طبعا كنا دائما نتابع الأخبار أثناء الكوارث والأزمات السياسية والتي كان للعرب فيها النصيب الأكبر في السنوات الأخيرة..لكن كنا نتابع دون أن يتحرك فينا أو لنا ساكنا..

والآن ... نتحدث عن الدستور ومواده وتعديلاته، الإعلان الدستوري، والفترة الانتقالية والشرعية الثورية..ونشاهد طوابير طويلة يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

منذ عدة أيام أذاع برنامج العاشرة مساء لقطات أرشيفية مسجلة خلال الاستفتاء الذي تم على التعديلات الدستورية في عام 2007 لا أعرف إن كانت أذيعت وقتها أم مُنعت، حيث قالت -وببراءة شديدة- إحدى النساء المسنات ما معناه " نحن سنقول نعم لمبارك في كل شيئ ربما يرضى عنا ويخفض لنا الأسعار" ، وقال أحد المواطنين تعليقا على الاستفتاء" إحنا ما نعرفش الدستور من أم الخلول ! "

ربما هو نفس المواطن الآن يتصرف ببعض الايجابية حتى وإن كان على غير وعي كامل بما يحدث في مصر.

هل هذه هي حقا مصر؟

طبعا تشوب الصورة أشياء كثيرة لا تسر القلب، الفساد الذي زاد وغطى.. رفض البعض للثورة وعدم إدراكهم لما حدث في مصر.. تشدد البعض من مؤيدي الثورة وإعداد قوائم سوداء لوضع وصمة عار فوق جبين كل من لم يؤيد الثورة في بدايتها وخاصة من الفنانين، ورغم ما عاناه كل من ظل في ميدان التحرير ليحرر مصر ويقدم للجميع الحرية على طبق من فضة، ورغم دماء الشهداء الغالية، ورغم التصريحات المستفزة أوغير الواعية لبعض من هاجم الثورة، إلا أن كل الخوف كله من مطالبتنا بالديموقراطية وحق التعبير لنا فقط دون غيرنا، الخوف من الانشغال بقضايا فرعية بعيدا عن الموقف العظيم الذي تشهده مصر..

يشوب الصورة أيضا مشهد الفتنة الطائفية ومحاولة إشعال نيرانها ..يشوبها التعصب البغيض في كل الاتجاهات والتفتيش عن نوايا الآخرين..يشوبها استغلال الدين وقلة الوعي لفرض رأي بعينه أو لتحقيق مكاسب سياسية حتى وإن كانت مشروعة..

طبعا تشوب الصورة ما حدث للدكتور محمد البرادعي يوم الاستفتاء وتبرير البعض ذلك بأن الشعب لا يريده ! لا يريده فيقذفه بالحجارة بالله عليكم؟؟

من قال في الاستفتاء (نعم) يتهم الآخرين بالعمالة والخيانة ، ومن قال (لا) يتهم من خالفه الرأي بالانسياق غير الواع لحقيقة ما حدث في مصر بل وبالجهل والغباء، لكن هذه هي الديموقراطية وحرية إبداء الرأي، وإن كانت فئات كثيرة من المجتمع المصري تفتقد بالفعل الوعي والرؤية والعلم، فأملنا أن ينصلح الوضع قريبا وتدريجيا على أيدي من يملكون هذا الوعي وهذه الرؤية، حيث تزداد مسئولية هؤلاء مهما حاولوا التنصل منها..

صحيح النظام السابق روج للجهل وتغييب الوعي، الا أن الجهل ليس ذنب الجاهل وحده ، وقد سقط النظام الفاسد وعلى أحد ما تولي مسؤلية الإصلاح بعد أن تم هدم الصنم، سيتم ذلك فقط بالحوار الهادئ وليس بالتصادم وتبادل الاتهامات، بالعمل والنَفَس الطويل واستمرار النقاش السياسي الذي يشبه عصف الأفكار وبدون الدخول في صراع المصالح الذي لا ينتهي ، سيتم أيضا بالبعد عن اليأس الذي قد يصيب المثقف، بأن يكمل المثقف مشواره الذي بدأه بتفجير الثورة ودعم التغيير وكسر حاجز الخوف وسار وراءه الملايين من الذين آمنوا بما فعل ، عليه الآن ألا يترك أيدي الآخرين في منتصف الطريق بل يأخذ بيد الجميع بلا تكبر ولا تعالٍ ولا اتهام ولا استعلاء ولا استخفاف بالآخر.

من المشاهد الأخرى مشهد المظاهرات الفئوية والتي انقسمت حولها الآراء ، البعض يرى أن ضررها أكثر من نفعها في هذا التوقيت ، حيث تشكل جزءا من الثورة المضادة التي تحبط الثورة المصرية، بينما يرى آخرون أنه طالما فتحنا باب الحرية ، فللجميع حق التظاهر والتعبير والاعتراض وعلى الأقل هي رسالة لكل فاسد أن هناك من سيحاسبه يوما، لكن هناك شبه اتفاق على أهمية ضبط النفس وتغليب الصالح العام على الخاص في الوقت الراهن على الأقل ....

وإن كنت شخصيا متفقة مع ضرورة ضبط النفس، إلا أنني للحق لم أستطع أن أمنع نفسي من المطالبة بسرعة حل " معضلة " رغم أهميتها إلا أنها تبدو ثانوية بالنسبة لما يحدث في مصر الآن من حراك سياسي كبير..لكنها مشكلة عويصة أعتبرها مشكلة شخصية تؤرقني، وغالب الظن أنها تؤرق كل مصري ، ويؤمن البعض حتى من قبل الثورة أنها من صنع النظام السابق ليس بسبب انعدام الرؤية لدى هذا النظام أو (اللا نظام ! )، ولكن لأنه تعمد إلهاء المواطن بها لاستنزاف جهده ووقته ..

فالشئ المضحك أنه – وبسبب تفاقم الانفلات الأمني وانتشار البلطجة وترويع الإعلام المصري للآمنين وفرض ساعات طويلة جدا من حظر التجول – فقد لازمت المنزل لعدد من الأيام، وجاء الوقت لأخرج إلى الشارع وأنا متحمسة لأرى " مصر الجديدة " بعد بداية تباشير انتصار الثورة، والناس بالفعل قد بدا على وجوههم ظهور سمات جديدة لم تكن موجودة من قبل وكأننا قد استرددنا كرامتنا وأرضنا وثقتنا بنفسنا بعد أن كسرنا الخوف وأدرنا بلدنا أمنيا بجهود شعبية، وكان من فرط سذاجتي أنني توقعت أنني سأجد " الشوارع فاضية والمواصلات سهلة ! " طالما أن مصر قبل 25 يناير ليست كمصر بعد هذا التاريخ!!

وطبعا مصر هي مصر ، وإن تغير كل شيئ فيها فلن تتغير "الزحمة" في شوارع المدن الكبرى وعلى رأسها القاهرة..فلن تكن القاهرة هي القاهرة إذا خلت شوارعها من الزحام.

هي مشكلة عويصة من وجهة نظري ...ليس لأن حياتي خالية من المشكلات ولكن لأني شخصيا أراها من أكبر مشكلاتي ..

قد يقال " وماذا تعني مشكلة كهذه وسط أطنان من الفساد والجهل والمرض والفقر والاحتقان الطائفي ؟ "

سؤال وجيه ولكن فلنتذكر معا كم مريض أو مصاب في حالة حرجة قد لقى حتفه بسبب عدم التمكن من الوصول إلى مستشفى أو مكان علاج أو إنقاذ مناسب في اللحظة المناسبة.. وكم سيارة إسعاف أو مطافئ عرقلها زحام السير..

وإذا كانت الإجابة بأن أرقام الضحايا من تلك النوعية محدودة أو لا تهم أحدا مقارنة بضحايا المبيدات المسرطنة...فدعنا من هذا المثال ونطرح مثالا آخر ..

منذ أيام شاهدنا زحام صفوف أو " طوابير " المواطنين يوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وكيف أن المواطن قد تكبد عناءا كبيرا في احتمال الزحام من أجل أداء واجب الإدلاء بالرأي.. وكيف أن بعض الشخصيات العامة لم تلتزم بالنظام أو الدور في "الطابور" بسبب انشغالها أو ضيقها بالانتظار بمعنى أصح، وقد ثار المواطنون على بعض هذه الحالات باستثناء في حالة رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف الذي استقبله ميدان التحرير استقبالا حافلا ورحب به أيضا المواطنون يوم الاستفتاء بلجنة مدرسة جمال عبد الناصر الذي توجه إليها للإدلاء بصوته، ونبع ذلك من حبهم للرجل وقبلها من إدراكهم لحقيقة إنشغاله بسبب الأعباء الكبيرة الملقاة على عاتق هذا المواطن والمسئول الشريف..كلنا يعلم كيف أن الانتظار بلا مبرر في الزحام يعرقل إنجاز الأعمال..وطبيعي أن نتحمل الزحام والانتظار الطويل في الأيام الاستثنائية..لكن هل يعقل أن تكون هذه هي القاعدة؟

ونحن نعلم جميعا ومعنا السيد رئيس الوزراء.. نعلم جيدا الشعور الذي ينتاب الإنسان عندما يخرج من منزله صباحا يملؤه التفاؤل والرغبة في العمل والإنجاز، وربما يقرر السير على قدميه للوصول في وقت أقصر لعمله.. فيواجه أخطار محدقة في شوارع غير مؤهلة لسير البشر بكرامة آمنين على حياتهم (القطط والكلاب أيضا تواجههم نفس الأخطار وتشهد الطرق السريعة والدائرية على ذلك)، أو يقرر أن يركب سيارته إن كانت لديه واحدة فيفقد أعصابه ويندم على شرائها ويقوم بحركات بهلوانية محترفة لمواصلة السير، أو ربما يركب إحدى وسائل المواصلات وعن هذه فحدث ولا حرج فليست المشكلة فقط فقد الأعصاب بل فقد الكرامة والتعرض للإيذاء النفس والمعنوي وربما الجسدي...

المهم أن النتائج متشابهة بدرجة أو بأخرى...فالنتيجة أنه سيفاجئ ( مع أنه معتاد على ذلك يوميا لكنه يوميا لديه أمل أن اليوم أفضل)..يفاجئ بزحام السير البغيض الكريه ، فيستعين بالله أولا، ثم يتذكر فضل الصبر، ثم يفقد صبره وقد يلعن الحكومة والبلد ونفسه، أو قد يتظاهر بأنه يستمع إلى الموسيقى أو الحديث في "المحمول" مخالفة لقانون المرور( ماهو ماجتش على دي )، ثم يدخل في دائرة الإحباط ويصاب بكل الآلام الجسدية والنفسية بل والعقلية ...ويصاب بالسأم ويكفر بقيمة الانتماء أحيانا...ثم يصل إلى وجهته في أضعاف الوقت اللازم لذلك في الدول المحترمة.. بعد كل هذا الضغط يصبح كإناء مغلق يكاد ينفجر من ضغط الماء المستمر في الغليان...ينفس عن نفسه بالاحتكاك والتصادم مع الآخرين الذي يبدأه في الشارع ويكمله في مقر العمل .. أو يكظم غيظه لمدة طويلة قبل أن ينتقل لإحدى المصحات النفسية .

على أقل تقدير تكون الخسائر هي أن يفقد الرغبة في النزول من المنزل للعمل أو تلقي العلم أو تنمية مواهبه وقدراته الذاتية أو أعماله التطوعية أو علاقاته الاجتماعية أو حتى لياقته البدنية ! ناهيك عن قضاء الاحتياجات أو المصالح الضرورية والعاجلة.

هنا إذن لا نتحدث عن أرقام صغيرة لضحايا الطرق، لكننا نتحدث عن مئات الآلاف من قتلى النفس والعزيمة بسبب سوء التخطيط..الميزة الوحيدة للزحام هي أن المواطن المصري قد تعلم الصبر واعتاد أن ينجز في الظروف الصعبة ، وبالتالي لا عجب أن يظهر نبوغ المصري عندما يعمل في الخارج حيث " الشوارع فاضية والمواصلات سهلة ! " ...

المشكلة ليست هامشية بل هي من أولويات تحقيق النهضة، وليست أبدا مستعصية على الحل، فتجارب الدول التي واجهت هذه المشكلة ليست ببعيدة عنا ...وقد أشار الخبير الهندسي المصري العالمي دكتور ممدوح حمزة لاستعداده لتقديم خطة كاملة لحل المشكلة، وليس وحده فمصر مليئة بالعقول والخبرات في تخطيط الطرق وتنظيم المرور،لكن من يستغل هذه العقول وهذه القدرات لإتاحة تنقل كريم وغير قاتل للمواطن المصري كبداية لإعادة كل ما هو جميل في الشخصية المصرية؟

فالشارع هو أول مكان يلتقي فيه المواطن بوطنه وبمواطني بلده وهو اللقاء الذي يؤثر على انتمائه لهذا الوطن ورؤيته ليومه ومستقبله.

ليست هناك تعليقات: