ثلاثة أيام مضت على الجريمة التي هزت منطقة الحسين بوسط القاهرة الإسلامية….تفرغت خلالها البرامج الحوارية بالقنوات الفضائية لمناقشة الحدث…أسبابه ودوافعه السياسية…ونتائجه على المدى البعيد والقصير، ورد فعل الشارع المصري تجاه هذا الحادث الأثيم.
تضاربت الأقوال ما بين قائل بسقوط القنبلة من أعلى فندق الحسين بمنطقة الحادث، وقائل بوجود هذه القنبلة تحت أحد المقاعد الرخامية في حديقة أسفل الفندق…
ومن اللافت للنظر – وبشدة – هو تأكيد عدد من شهود العيان الذين ظهروا في تقرير لبرنامج (العاشرة مساءا) بقناة دريم الفضائية ليلة الحادث، على التقصير الأمني وقت وقوع الحادث، وانشغال رجال الأمن بمشاهدة مباراة الأهلي وبتروجيت في إطار مباريات الدوري المصري !
بينما ألمح شاهد آخر إلى أن بعض رجال الأمن في المنطقة قد اعتادوا على ترك أجهزة اللاسلكي لدى بعض المواطنين من أهالي المنطقة قبل انتهاء فترة عملهم، ليقوم الأهالي بتسليمها لرجال الأمن في الدورية التالية !!
وبغض النظر عن دقة أو عدم دقة ما رواه الشهود، إلا أن مسئولية الأمن عن وقوع الحادث واضحة وجلية..وذلك بالرغم من تحويل دفة النقاش إلى قضايا فرعية وطريفة مثل مدى تديّن الشعب المصري وطيبته المعهودتين، وان حركة السياحة لن تتأثر بالحادث …..
أما في اليوم التالي للحادث، فقد انتقل فريق عمل برنامج (البيت بيتك) بالكامل إلى منطقة الحسين لبث الحلقة من قلب الحدث… وبدا أن البرنامج يسعى إلى احتواء الموقف، فاستضاف عددا من الشخصيات العامة والفنية ونجوم المجتمع المصري، حيث أكد الجميع على المعاني الطيبة المستخلصة من وراء الحادث ! بينما أذاع البرنامج في الفواصل مقاطع من أغنية (أم الصابرين) للفنانة شادية، وتزاحمت الجماهير مصفقة ومهللة في شبه احتفالية حقيقية !
وقد يكون من المتوقع، بل ومن المطلوب أيضا في مثل هذه الأزمات شحذ روح الجماعة، وروح الانتماء والتفاؤل، والسعي إلى تجميع الشعب المصري حول فكرة ايجابية واحدة …. وهو أمر لا يمكن أن يُلام عليه الإعلام المصري بحال من الأحوال.
لكن الشيء المثير للدهشة هو استعانة مقدم البرنامج ببعض المعلومات التي أوردتها وكالة الأنباء الفرنسية حول الحادث الذي وقع في الحسين !
والأمر اللافت للنظر أيضا في تغطية الإعلام المصري – سواء الرسمي أو المستقل – للحدث، هو تأكيد الجميع على إمكانية وقوع مثل هذه الحوادث "الفردية" في كل دول العالم حتى المتقدمة منها…
والقول بأن الحادث فردي وقد يقع في كل دول العالم أمر صحيح وحقيقي بالفعل، بالرغم من أنه مبرر مضحك للحادث، وبالرغم من أنه قول حق يراد به باطل ، وذلك على غرار المقولة المصرية الشهيرة " بتحصل في أحسن العائلات " ! على الأقل نحن نشترك في شيء مع هذه الدول المتقدمة!!
ولم يقتصر الأمر على هذا القول بل أكد الجميع أيضا أن القنبلة، أو أداة الجريمة، كانت بدائية الصنع، وضعيفة بل ومحدودة في تأثيرها ، وبالتالي فمن غير المتوقع أن يكون وراء الحادث تنظيم إرهابي كبير…
وقد يكون هذا الأمر حقيقي أيضا من وجهة النظر التقنية المتخصصة في مجال المتفجرات، ولكن الأمر غير الحقيقي وغير المنطقي هو التقليل من شأن إصابات ضحايا الحادث…..فقد ذكرت العديد من الجهات وجود عدد من المصابين المصريين والسعوديين والأجانب….الذين نقلوا فورا للمستشفيات المصرية….ولاقوا أفضل رعاية واهتمام….وعلى فكرة إصاباتهم بسيطة….فالأمر بأكمله تحت السيطرة….وكان الله بالسر عليم….وبالمناسبة….هناك قتيلة فرنسية….قتيلة " واحدة "… لا أكثر ولا أقل… ليست ذات أهمية….وبالمناسبة أيضا… فقد أعرب الرئيس الفرنسي "ساركوزي" عن تعاطفه مع الحادث، وتضامنه مع مصر في محاربة الإرهاب!
ولم تتطرق التغطية الإعلامية إلى هوية هذه السائحة، هي فرنسية وعمرها 17 عاما، في مقتبل العمر، لكن لا توجد "صورة" لها، لا توجد خلفية من المعلومات حولها، لم يُذكر حتى مجرد أسمها…وكأنها نسيا منسيا، وكأن الضحايا يتحولون من بشر لهم أسماء، إلى مجرد أرقام وإحصاءات لا قيمة لها.
وكأن الإعلام يفتخر بأن الضحايا من القتلى قد "اقتصروا" على هذه المسكينة فقط، وكأن "قتيلة واحدة لا تكفي"، ولا تستحق حتى مجرد الإشارة إلى اسمها، أو الوقوف حدادا عليها، وربما تظهر معلومات لاحقة عن كون الضحية قد لقت حتفها بسبب هبوط مفاجئ في الدورة الدموية ، او بسبب مرض قديم أصابها، وتزامن ذلك لسوء الحظ مع انفجار هذه القنبلة التافهة، وذلك على غرار ما حدث لـ "عبد الفتاح القصري" في فيلم "إسماعيل ياسين في جنينة الحيوانات" ، حيث تمت تبرئة "إسماعيل" من تهمة قتل "القصري" ، حيث اتضح أن الأخير قد مات (موتة ربنا) وقبل أن يتمكن إسماعيل من قتله بسم الثعبان !
ولم يتبق في النهاية إلا التهليل لمصر وشعب مصر وتدين شعب مصر والمعدن الأصيل للإنسان المصري، وبغض النظر عن مفهومنا وتقديرنا لقيمة الإنسانية ذاتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق