شاهدت حلقة للإعلامية المتميزة " لميس الحديدي" من برنامجها (إتكلم) ...كان ضيفاها الروائي الشاب محمد صلاح العزب، والذي أحدثت رواياته ضجيجاً في الأوساط الأدبية، والكاتبة غادة عبد العال صاحبة مدونة وكتاب "عايزة أتجوز" والذي صدر ضمن سلسلة مدونات الشروق منذ نحو عام مضى.
تطرق الحوار إلى عدد من الموضوعات، حاولت " لميس الحديدي " من خلالها – وكما هو معتاد – التعرف على الخلفية الثقافية للكاتبين، ودوافعهما للكتابة الأدبية، وفتحت عدداً من القضايا المثيرة للجدل، مثل رؤية الكتّاب الجدد للكتابة بالعامية المصرية، وموقفهم من دور النشر الجديدة، وأخيراً رؤيتهم للمناخ الثقافي المصري، وهامش الحرية المتاح أمام المبدعين ليعبروا عن أنفسهم.
ويبدو أن " لميس الحديدي " كانت مقتنعة بوجهة نظر ما، ويبدو أيضاً أن الأديب الشاب محمد صلاح العزب قد اتفق معها في هذه الرؤية، وهي أن المجتمع المصري أصبح يرجع إلى الخلف، وأن هناك أصوات عديدة في المجتمع تدعو للتخلف والردة الفكرية، وأن المبدع أصبح مكبلاً بالخوف من الأفكار المتزمتة السائدة داخل المجتمع، وبالتالي يصبح من الصعب عليه أحياناً أن يفصح عن أفكاره المغايرة خوفاً من الإرهاب الفكري الذي يمارسه المجتمع على أبنائه....
وسألت الإعلامية الشهيرة ضيفتها غادة عبد العال _ وهي الكاتبة الشابة الوافدة من الأقاليم _ عن رأيها حول هذا الموضوع، ويبدو أن الكاتبة غادة لم تتفق مع الرأي الذي قيل، حيث بدا أن " لميس الحديدي" تحاول أن تضع الكلام على لسانها كي تنزع منها اعترافاً ضد المجتمع المتزمت، وقد تلعثمت غادة قليلاً، لكنها ردت وبإصرار مؤكدة أن الرقابة التي تمارسها على نفسها هي رقابة ذاتية غير مفروضة عليها من أحد، بل تفرضها عليها تقاليد وعادات تؤمن هي شخصياً بها، وتلتزم بها من تلقاء نفسها، وعند هذا الحد انتهى البرنامج .... ولكن لم ينته الإعلام المصري من الضرب على نفس الوتر ولكن بأشكال ونغمات مختلفة .
ففي نفس هذا الإطار حاورت الإعلامية "علا الشافعي" في حلقة من برنامجها (ولاد البلد)، المطرب "علي الحجار"، وتطرق الحوار إلى الهجوم الرجعي الذي لاقاه المطرب بعد طرحه لألبومه "حوا وآدم" في الأسواق، حيث اتهمه البعض بالإساءة للأديان وللأنبياء .. وقد ناقشا معاً حالة التردّي الفكرية السائدة في المجتمع المصري.
ولم تكتف أيضاً "علا الشافعي" بهذا الحد، بل طرحت عليه سؤالاً – بصفته أول مطرب مجاز كقارئ للقرآن من قِبَل الأزهر الشريف – حول رأيه في تفضيل رجل الشارع المصري لقراءة القرآن بالطريقة الخليجية التي تتميز (بالعياط والنهنهة) على حد قول المذيعة، وقد أجاب "علي الحجار" بذكاء قائلاً أنه شخصياً يفضل الأصوات المصرية في قراءة القرآن، ولكنه لا يجد مانعاً في أن يحب الجمهور الأصوات الخليجية، حيث يشعر الرجل العادي أن هذا الصوت الخليجي من عند النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ومؤخراً اقترنت صفة (التزمّت) التي يرى البعض أن المجتمع أصبح يتصف بها، بفكرة أخرى أو اتهام آخر وهو سيطرة ما يسمى بـ (المد الوهابي والخليجي)، والذي يرى البعض أنه قد أثّر في المجتمع المصري من خلال التحاق العمالة المصرية بدول الخليج منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى الآن.
وقد أصبحت هذه القضية محوراً للجدل في الآونة الأخيرة، فنادراً ما تجد مثقفاً أو مفكراً مصرياً إلا منتقداً لقوة العادات والتقاليد – بل والدين أحياناً – في المجتمع المصري، ولسيادة فكر المتزمتين والذي يرفض أي فكر جديد يُطرح من خلال الأدب أو الفن.
وأصبح بعض المثقفين في حالة حنين دائم لحقبة الستينيات، حيث لم تكن مظاهر التدين – الذي يراه البعض وافداً خليجياً – قد ألقت بظلالها على الشارع المصري، متمثلة في انتشار ارتداء غطاء الرأس لدى السيدات المصريات، وإطلاق بعض الرجال للحية (الذقن) كسنة عن البني محمد (ص).
بل زعم بعض المتوهمين أن الوجه الإسلامي لمصر – والذي فرضته الفتوحات الإسلامية – قد طغى على كل من الوجهين القبطي والفرعوني لها.
والحقيقة الغائبة عن أذهان هؤلاء أو التي يتجاهلها البعض منهم على الأقل، هي قدرة مصر على استيعاب العديد من الحضارات والثقافات عبر العصور، وصهرها بشكل عبقري، مما أثرى الثقافة المصرية..والشخصية المصرية بالضرورة، في ظل حالة من التسامح عُرفت بها الشخصية المصرية في "وقت سابق".
فللأسف لم تستمر هذه الحالة من " التسامح " و " قبول الآخر" إلى وقتنا هذا، بل سادت بالفعل حالة من التزمت، سببها انقسام المجتمع إلى طائفة من المتدينين الذين تمسكوا بفروع الدين وتركوا أصوله، الذين حرموا الفن والأدب وكل المتع المباحة، الذين اهتموا بالقشور ونسوا الجوهر، الذين تمسكوا بالسواك وحرّموا الفرشاة ومعجون الأسنان على أنهما بدعة وضلالة، الذين تمسكوا بالعادات التي اتبعها رسولنا محمد المصطفى (ص)، مثل تفضيل (التمر) على غيره من الأطعمة خاصة وقت الصوم، وفي ارتدائه للجلباب وإطلاق لحيته ..... وفي الوقت نفسه صَعُب عليهم إتباعه (ص) في حسن معاملة زوجاته، وخدمته لنفسه ولأهل بيته، وفي كظمه لغيظه، وإيثاره للغير على نفسه، وفي جهاده، وفي حبه للابتسام والترويح عن كل من حوله، وفي رفقه بالصغار والنساء والضعفاء، وفي رقة قلبه وفي إتباعه لمبدأ الشورى وفي وفي وفي ... حدث ولا حرج....
وسادت أيضاً حالة من التزمت، أبطالها من طائفة أخرى هذه المرة، فئة من المثقفين وأصحاب الفكر والرأي، والذين شكلوا نخبة ثقافية منبهرة بالغرب الذي استعمر بلادنا لعقود طويلة، ومازال استعماره لها – ثقافياً وإعلامياً وفكرياً – سائداً حتى الآن، الغرب الذي كان ولازال هدفه تجريد البلاد المُستعمرة من خصوصيتها الثقافية والدينية، وإسقاطها في فخ التبعية الثقافية وبالتالي السياسية والاقتصادية للغرب، من خلال فرض الأنماط الاستهلاكية التي سادت المجتمعات الغربية ...
وقد انبهرت هذه الطائفة الأخيرة بقيم قدمها الغرب على طبق من ذهب، حرية الفكر والرأي والاعتقاد، قيمة الفردية، وإعلاء قيمة العلم، وغيرها من القيم النبيلة، التي نسى البعض أن الغرب قد تبناها حين وجد المصلحة تحتم عليه ذلك، ونسوا أن جوهر الدين قد أتى بكل هذه القيم ورسخها قبل عصر النهضة الأوربية بعهود طويلة.
وللأسف هذه الطائفة الجديدة هم "المتزمتون الجدد"، هم من يمارسون تجاه كل من يخالفهم الرأي نوعاً من الإرهاب الفكري والمصادرة على الأفكار، وللأسف فإنهم يمارسون هذا التزمت وشعارهم هو "حرية الفكر"، فهم يحافظون على حرية تدفق أفكارهم بمنع الآخرين من اتخاذ مواقف فكرية ودينية بعينها، ومن السهل عليهم جداً إلصاق التهم الجاهزة بالآخرين ناعتين إياهم بالتطرف والتشدد والرجعية، ناسين أن حالة الردة الفكرية التي يعاني منها مجتمعنا تعود إلى عدد من المتغيرات المتشابكة، والتي يصعب حصرها في سبب واحد، والتي أدت إلى إشاعة حالة من الفساد والتردي والفوضى العامة في المجتمع، وعلى جميع المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية. وهكذا أصبح (التزمت) والنعت به، لعبة يمكن أن يلعبها اثنان، وقد غاب عن الطرفان المعنى الحقيقي للدين، وخلطا بين قيم الأديان السماوية وبين قوة العادات والتقاليد، متجاهلين أن الرُسل أنفسهم كانوا ثواراً على الأوضاع البالية، والثوابت، ومجاهدين ومجددين في الفكر، فالدين الإسلامي يدعو للتحرر والإبداع..... فالبديع اسم من أسماء الخالق الأعظم، وعندما جمع مسلمون من عصور سالفة بين علوم الدنيا والدين، استطاعوا أن يحكموا الأرض، وقدموا نموذجاً راق للحضارة والإنسانية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق