الأربعاء، 6 أغسطس 2008

ليلة سقوط بغداد

"ليلة سقوط بغداد" فيلم اثار ضجة للمخرج محمد أمين، مثله مثل (فيلم ثقافي) العمل الأول للمخرج – يأتي الفيلم بحالة من الدهشة والصدمة والتي تنبع من طرافه الفكر، وجرأة الموضوع.

تسقط العاصمة العراقية في أيدي القوات الأمريكية، يقترب بنا مخرج الفيلم ليتوقف عند منزل الأستاذ شاكر – الرائع حسن حسني – ناظر المدرسة الذي يمنع تلاميذه من التظاهر، لكنه يتخذ داخل أسرته مواقف أكثر جرأه، يشترك ولده وابنته في مظاهرات وحملات لمقاطعة المنتجات الأمريكية، الأب أصابته حالة من الكراهية الشديدة والذعر خوفا من تكرار مأساة العراق في غيرها من العواصم العربية.

بطل الفيلم – على عكس أغلبنا – إيجابي للغاية، يتوصل لضرورة التجهز بسلاح لردع القوات الأمريكية عند دخولها القاهرة، وهو ما يراه حتمية لا مفر منها، يتذكر تلميذه العبقري طارق، الواعد أحمد عيد، يوظف إمكاناته من أجل حث طارق على اختراع سلاحاً للردع، يفشل طارق في اختراع الجهاز متعللاً برغبته في إشباع احتياجاته العاطفية أولاً، يزوجه شاكر بابنته سلمى – الوجه المعبر بسمه، يتعلل مجددا على عدم قدرته على أداء واجباته الزوجية بسبب حسرته على واقعنا المرير!

أحمد عيد أدى دوره ببراعه، الشاب المصري الضاحك والباكي، المجتمع يقتل مواهبه فلا يستطيع النجاح، يقف في صفوف العاطلين، لم يعد يشغله سوى الجنس والمخدرات، يتمنى فرصه للهجرة إلى الخارج، لم يتبق من وطنيته شيئاً، لكننا لا نستطيع إلقاء اللوم عليه، فهناك جيل كامل سبقه يستحق بعضا من ذلك اللوم. الفيلم يصور الواقع المرير للمجتمع بدون افتعال أو انفعال، إبكانا حسن حسني بتعبيرات وجهه الناطقة بحالة الرعب التي يحياها ليل نهار.

سيمفونية العزف على المشاعر الوطنية في الفيلم جاءت صادقة، غير صاخبة، لم يتردد المخرج في تركيز الكاميرا على صور ضحايا أطفال العراق والتي أثارت الذعر داخل دور العرض، كما أحزننا كثيرا بمشهد تمر به القاهرة محترقة ومشوهة داخل مخيله البطل.

لم يخلو الفيلم من المشاهد الضاحكة، أجملها محاولة طارق اقناع سلمى بالزواج منه، حيث تعترف له أنها لن تتزوجه إلا من أجل مصر، فيرد بتلقائيته المعهودة (أهي يتبقى مصر نفعتنا بحاجة)!

"الجنس" كان فكره محوريه جاده في الفيلم استخدمها أحمد أمين بذكاء شديد، لكن ذلك لا يبرر الجرعة التي قدمها المخرج من المشاهد العارية ومشاهد الاغتصاب وغيرها ولا يغفر له إن الفيلم للكبار فقط، ورغم أن "الجنس" كان يهدف الصدمة أساسا لا الإثارة.

ميزة الفيلم الكبرى أنه يحاول أن يخاطب عقل المشاهد وحثه على الفعل، فالفيلم يضع المواطن في المقدمة ولا ينتظر العون من حكومات عاجزة غير قادرة على الحركة، فالحس الوطني يأتي من خلال نبض المواطن وبلا نفاق سياسي للحكومة أو المسئولين.

اختيار المخرج للممثلين كان موفقاً، حسن حسني لا مثيل له في إدخال الحسره إلى قلوب المشاهدين، أحمد عيد أضحكنا وأحزننا (والوم عليه تشاؤمه وإعلانه ندمه على الفيلم في إحدى القنوات الفضائية قبل عرضه الجماهيري)، تألق الجميع، الأدوار الثانوية كلها معبرة، محمد الصاوي، إحسان القلعاوي، يوسف داوود وغيرهم، لطفي لبيب كعادته يترك انطباعاً رغم صغر دوره.

النهاية الذكية التي وضعها مؤلف الفيلم أخرجته من مأزق الاختيار الصعب ما بين نهاية سعيدة وبلهاء لا تليق بالطرح المقدم، وبين نهاية كئيبة وواقعية قد تصيب المشاهد بالإحباط.

اختار المؤلف إنهاء الدراما ببارقة أمل ودعوه للعمل من أجل الوطن، فبالرغم من دخول القوات الأمريكية إلى شوارع العاصمة المصرية وبالرغم من وجود بطلي الفيلم في مستشفى الأمراض العقلية – وهو مكان العقلاء في بلادنا – إلا أن سلاح طارق قد أفلح في ردع الطائرات الأمريكية، لينتهي الفيلم باغنية (معانا ريال) بصوت الطفلة المعجزة فيروز لينقل إلينا رسالة مؤداها أن امتلاك القليل قد ينجح في فعل الكثير.

ليست هناك تعليقات: