السبت، 2 أغسطس 2008

حمار جحا

ركب جحا حماره يومًا وسار وولده بجانبه، فصاح الناس قائلين (ياللأب القاسي!)، حاول إرضاء الناس؛ فأركب ولده مكانه، فمرت جماعة قائلة ( يا للابن العاق!)، فركبا معًا فمر قوم فقالوا ( يا لقسوة الإنسان على الحيوان!) ...فسار الاثنان بجانب حمارهما، فأشار جمع آخر ( يا لسذاجة جحا وولده، يمشيان والحمار بجانبهما) فما كان من جحا إلا أن حمل الحمار على كتفيه وسار وسط الناس! فهل رضي الناس؟! هذا ما لم تجب عنه القصة (العربية) الشهيرة، والإجابة معروفة وهي أن (الناس لم ترضَ) مهما فعل جحا. لكن هذه القصة بتفاصيلها مازلنا نحياها داخل مجتمعاتنا العربية في اليوم ألف مرة. فالبعض قبل أن يخطو الخطوة يتساءل عن رد فعل الآخرين، وقبل أن يتكلم يحسب حساب الآخرين.

وفى مجتمعاتنا العربية أيضًا نحب أن نعرف أخبار من حولنا ...جيراننا، أقاربنا، زملاء العمل... كيف يعيشون، كم ينفقون، أين يذهبون، ماذا يأكلون ومتى ينامون؟ فإذا كانوا على ما يرام نجد البعض يتمنى زوال النعمة عن الآخرين، أما إذا لم يعجبنا حالهم تحولنا إلى شامتين.
حدثتني إحدى صديقاتي قائلة (تزوجت من شاب ممتاز بكل المقاييس، وبارك الجميع الزفاف السعيد، ولكن ظل هناك أمر أخفاه أبى وأمي عن باقي أفراد العائلة (إلا المقربون) فالعريس له ابنه من زيجة سابقة، ورغم موافقتي على هذه الظروف التي لا أراها- أنا أو أسرتي- عيبًا أو حرامًا، فقد أخفينا ذلك عن الأقارب، فرغم انتماء أسرتي لطبقة اجتماعية راقية، إلا أنهم فضلوا إخفاء هذه المعلومة حفاظًا على صورتهم وكرامتهم ولتجنب كلام الآخرين، أو على الأقل نظراتهم التي ستطاردنا بمائة سؤال وسؤال، لماذا فشل زوجي في زيجته الأولى ولماذا رضيت به؟ أما عن نفسي، فالقليلات من صديقاتي هن من يعرفن هذه الحقيقة، فلست مستعدة لأن أرى نظراتهن، ولسان الحال يقول كبرت في السن ورضيت بأي عريس والسلام!).

أما الصديقة الأخرى والتي تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية الكبرى، أخبرتني أنه كان يفرض عليها عملها أحيانًا العودة قرب منتصف الليل، ورغم موافقة زوجها وتفهمه الكامل لطبيعة عملها، ورغم التزامها بالمظهر الإسلامي الوقور، إلا أنها تقسم بأنها كانت تخشى من نظرات الجيران، بل وحارس الأمن في البناية التي تقطن بها، ليس خوفًا كما تقول، ولكن لأنها لا تريد أن تشعر أدنى شعور بأن هناك من لدية أية علامات استفهام حول عملها وحياتها بل وعلاقتها بزوجها.

والحقيقة أن هناك ميراثًا ثقيلا من الخوف من الآخر، وهو الشعور الذي لم يولد من فراغ أو بلا سبب، فقد بات من المعتاد أن يتدخل كل فرد فيما لا يعنيه ويدس أنفه في حياة الآخرين بلا استئذان. وبدلاً من مراجعة نفسه وتصرفاته ونقد ذاته فإنه يتحول إلى حياة الآخرين ليقيمها ويفرض أحكام مسبقة عليهم، سواء كان قريبًا أو غريبًا، وكلنا يعرف قصة كل امرأة لم يوفقها حظها في زواجها، فأصبحت توصم بوصمة العار الشهيرة (المطلقة)، وسط مجتمع لا يرحم وينظر إلى ذنبها - مهما كانت معاناتها مع زوجها السابق- على أنه ذنب لا يغتفر، فتصبح امرأة سيئة السمعة وتوضع تحت عدسات مكبرة، بل إن هذا الاتهام يتسع ليشمل جميع النساء غير المتزوجات بما فيهن الأرامل.

تقول إحدى الصديقات في حديث مضحك ومبكٍ (ما أن يأتي مولود جديد في الأسرة إلا ويصبح الجميع أطباء، والكل يفتي بعلم أو بغير علم حول تربية الطفل ورضاعته وصحته! فالكل يتدخل بداعٍ أو بلا داعٍ في كل أمور حياتك. فأحيانًا أقابل نساءً من عائلتي أو من عائلة زوجي لأول مرة ويسألن "لماذا لا أجتهد وأنجب أخًا لابني؟" وما هي وسيلة منع الحمل التي أستخدمها؟! فأتعجب وأشعر أننا سنظل متخلفين إلى الأبد).

و هناك صورة أخرى نعرفها وتحدث عند زفاف أحد أفراد أية عائلة، فسرعان ما تتحول كلمات التهنئة بعد مرور أسابيع قليلة من الزفاف إلى تساؤل في أعين الجميع وعلى ألسنتهم حول سبب تأخر الإنجاب، الأمر الذي قد يحول حياة أي عروسين إلى جحيم لا يطاق، بل إن الزوجة أحيانًا ما تنسى فرحتها الحقيقية بحدوث الحمل في خضم الفرحة الأكبر بإثبات أنوثتها وقدرتها على إسكات ألسنة الآخرين.
وكم رأينا شبابنا في آلاف البيوت يتقاتلون من أجل الحصول على أعلى الدرجات في (الثانوية العامة) من أجل ماذا؟ من أجل اللحاق بالسباق المحموم والقبول بكليات القمة، فإن لم تكن طبيبًا أو مهندسًا فما قيمتك في المجتمع؟ وبغض النظر عما تتمناه فعليًّا لنفسك فلا تستطيع أن تنكر أن كل أب يقول (ابني ليس أقل من ابن الجيران)!
و للأسف فإن الأفكار المسبقة تتحكم فينا دون أدنى مراجعة من جانبنا، فنحن نريد أن نرضي الآخرين، أو نخاف من كلام الآخرين، بل ونقوم- بأنفسنا – بوضع أنفسنا وأبنائنا موضع مقارنة دائمة بالأهل والأصدقاء، وهذه المقارنات كلنا يعرفها، فقد تربينا عليها، وبالرغم مما كتبه ( أنجليو باتري) في مجال تربية الطفل أنه (ليس من أحد تعس كالذي يصبو إلى أن يكون غير نفسه وغير جسده وتفكيره)!
إلا أننا نصر على أن نكن نحن وأولادنا أتعس التعساء. فلم نتعود منذ نعومة أظافرنا أن نكن نحن أنفسنا. وهكذا فرغباتنا الحقيقية في الحياة يحددها رأي الآخرين فيها، وهكذا تضيع من بين أيدينا فرص كثيرة وتذهب رغباتنا وأحلامنا هباء لإرضاء الآخرين، بل ونعذب أنفسنا باحثين عن وهم اسمه (شكلنا وسط الناس!)، وما ميلنا المفرط للاهتمام بالمظاهر الخادعة والجوفاء ، وما الأعراس التي تتكلف عشرات ومئات آلاف إلا نوع من إرضاء الآخر، أو بمعنى أصح نفاق الآخر.

وأحيانًا تفوق
قوة العادات والتقاليد قوة الدين؛ حيث حدثني صديق قائلا " هل تعرفين لماذا لا تنتشر عادة شرب الخمر بين أفراد مجتمعنا؟ " قلت السبب واضح فنحن شعوب متدينة والخمر من كبائر الأمور، فقال بل هي قوة العادات والخوف من نظرة المجتمع؛ والدليل أن تدخين السجائر ينتشر بشكل قاتل في الشارع العربي رغم الفتاوى المتعددة بتحريم الدخان، والجميع يدخنون في كل مكان وزمان، بل ونتفوق في ذلك على المجتمعات الغربية. فالأخلاق والقيم الدينية الحقيقية قد لا تتبع أحيانًا إلا إرضاءَ الآخرين.

و الدين قد ينجح في القضاء على العادات السيئة، وذلك إذا وجد فعليًّا وتمكن من القلوب، والذي يحدث من سلوكيات سلبية للبعض مرجعه أن الدين لم يدخل في قلوبهم، فإن استحكم الإيمان في القلوب فتأثرت به يصبح قويًّا للغاية. والدليل ما فعله الصحابة عندما نزلت الآية الفاصلة التي حرمت الخمر تحريمًا نهائيًّا، فبالرغم أن شرب الخمر كان متغلغلاً في المجتمع حينذاك، وبالرغم من متاجرة بعض الصحابة فيه وتكسبهم منه قبل الإسلام إلا أنهم أسرعوا بسكب كل ما لديهم من خمر حتى امتلأت طرقات المدينة بها فقالوا (انتهينا!)، فالمشكلة إذن ليست في قوة العادات، بل في ضعف الإيمان ... لذلك فمراقبة النفس يجب أن تكون بديلاً عن (مراقبة الغير) فعلى الفرد أن يستشعر عظمة الخالق وأن الله يعلم سره ونجواه فيعظم حرماته ويخشى غضبه فيضبط جوارحه. ويقول الله تعالى في كتابة العزيز (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون). كما أن لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولًا شهيرًا هو (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا). أما عن وصف الله لأتباع النبي في كتابه العزيز: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) فالأمر بالمعروف يختلف عن استباحه التدخل في شئون الغير فبين الاثنين خط فاصل، فواجب النصح في الإسلام يشترط فيه (إرادة الخير للآخر) ويحدده الشرع بالآداب المتعارف عليها (بالحكمة والموعظة الحسنة)؛ أي إنني إذا ما رأيت أخي غافلًا عن خير يناله في دنياه وأخراه أو واقع في ذنب ما، فهنا واجب النصح والتذكير، كما أن من أهم آدابه هو أن يكون على انفراد حتى لا نتسبب في الإحراج للآخرين.
وقد قال الإمام الشافعي في هذا المعنى شعرا.....
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس لون من التوبيخ لم أرضَ استماعه

وإن كان هذا هو حال مجتمعاتنا العربية فيبقى سؤال ملح هو: هل العيب فينا أم في المجتمع؟ ولماذا يخلق كل منا للآخر جحيمًا يكتوي فيه، وأين المفر؟
إن لكل مجتمع عاداته وتقاليده التي قد يكون البعض منها سلبيًّا والآخر إيجابيًّا. وفي مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص نجد أن كلاً منا منشغل بالآخر، كما تبيح الجماعة لنفسها التدخل في حياة الفرد وقراراته.
وهذه العادة تبدأ منذ الطفولة، فالتنشئة الاجتماعية تقوم على نوع من الديكتاتورية، فالأب والأم يحددان تحركات الأبناء ويكون ذلك من خلالهما فقط، وينمو هذا الإحساس رويدًا رويدًا وتدعمه باقي مؤسسات المجتمع من تعليم ووسائل إعلام، فالتعليم تلقيني وحتى الرئيس في العمل يضع في يده كل المسئوليات والسلطات؛ لذلك فنحن نفتقد الديمقراطية الحقيقية والقدرة على اتخاذ القرار في الحياة الاجتماعية والأسرية كما هو الحال في واقعنا السياسي، وتكون النتيجة هي الشعور (بالقهر).

أننا نربي أطفالنا على تقليد الآخر ومقارنة سلوكهم بسلوك الآخرين. والطفل الذي تربى بهذا الأسلوب سوف يعاني بالضرورة من فقدان الثقة بالنفس والإحساس بالذات وعندما يتولى مسئولياته في المستقبل كرئيس في العمل أو كرب لأسرة، فإنه يشبع رغباته الدفينة في التسلط على الآخرين. لذلك فلا نجد في مجتمعاتنا الشخصية المبتكرة والمبدعة والواثقة في مواهبها وقدراتها؛ مما يفقدنا الإحساس بالأمان ويدخلنا في دائرة مفرغة من سلوك سلبي ونتائج أكثر سلبية. يضاف إلى ذلك (الفراغ) الذي نحياه في العالم العربي فبالرغم من شعورنا الدائم بالانشغال في السعي وراء طلب الرزق، إلا أن هذا وحده لا يملأ الخواء الذهني والنفسي لدينا، فلا وقت للهوايات وخلق الأفكار أو تعدد الاهتمامات. ففي الدول الغربية على سبيل المثال يمكن للفرد العادي أن يمارس أنشطة متعددة بجانب عمله الأساسي، فمن الممكن أن يقوم بطلاء بيته بنفسه إن رغب في ذلك لأن إمكانات متاحة أمامه لفعل ما يريده، أما في عالمنا العربي فالمهن المعاونة كثيرة والاعتماد على الآخرين أساسي في حياتنا فليس هناك مجال للابتكار أو التجديد.

و(المرأة) في مجتمعاتنا هي أولى ضحايا هذا الفراغ وهذا القهر وللأسف بالرغم من خروج المرأة للعمل فإن حالة الفراغ العقلي لم تنتهِ؛ لأنها تواجه ظروفًا ضاغطة وأنواعًا من القهر على كل المستويات، وشعور الفرد الدائم بالقهر وعدم الأمان وفقدان الثقة والقدرة على الاختيار قد يدفعه للانشغال بأحوال الآخرين ونقدهم ربما لملء الفراغ أو كنوع من التعويض عن السلبيات الذاتية (وليثبت لنفسه أنه الأفضل). ولا نستطيع أن نلوم أي فرد يعمل حسابًا لكلام وآراء الآخرين أو أن نصفه بالجبن لأن المجتمع أحيانًا يجعلنا عبيدًا للتقاليد.

و عادة مراقبة الآخر والخوف الشديد على الصورة الذاتية أمام المجتمع لم يسلم منها الأفراد حتى في الطبقات الاجتماعية الراقية، فعلى العكس ففي هذه الطبقات توجد حرب مستترة، فحفلات الزفاف المبالغ فيها وسرادقات العزاء التي تحولت إلى ما يشبه الاحتفالات خير مثال على ذلك. وللأسف فإن هذا التفوق الذي يسعى الفرد لإثباته ليس تفوقًا علميًّا أو عمليًّا بل (مظهريًّا) وهو الأمر الذي أصبح شائعًا بطريقة مرضية في مجتمعنا المعاصر

ليست هناك تعليقات: